آخر تحديث :الأحد-05 أبريل 2026-10:20م

البناء بالكوادر لا "بالكنادر": هل نحن تنظيمات حية أم توابيت متحركة؟

الأحد - 05 أبريل 2026 - الساعة 05:55 م
صابر الجرادي

بقلم: صابر الجرادي
- ارشيف الكاتب


في خضم نقاش فكري دار بيننا في احدى الاجتماعات، امتد لأربع ساعات من المكاشفة وتقليب أوجاع الواقع السياسي، وقفنا أمام السؤال الجوهري الذي يطارد كل تجربة إصلاحية: لماذا تتعثر خطانا في منتصف الطريق؟ ولماذا تسقط المشاريع التي ولدت من رحم التوق إلى الحرية، في فخ الجمود والتحجر التنظيمي؟


لقد فككنا المشهد بعمق، وخلصنا إلى نتيجة قد تبدو صادمة في حدتها، لكنها حتمية في صدقها: إن أزمة العمل السياسي لدينا هي في جوهرها أزمة بناء!

فإما أن تشيد تنظيمًا قوامه الكوادر الواعية التي تمثل عقل الحراك وقلبه النابض، أو أنك تحشد مجرد "كنادر" (أتباع مسلوبي الإرادة) تسير بهم نحو الهاوية، ظنًّا منك أن الكثرة العددية تغني عن الوعي النوعي.


في نقد "المركزية الصماء" تسألنا لماذا فشل السابقون؟


إن الإخفاق التاريخي للتجارب السابقة لم يكن وليد الصدفة، بل كان نتيجة طبيعية للخوف من "النخبة" ومن "الوعي المستقل". فقد تحولت الأحزاب إلى "أصنام" تنظيمية لا تقبل النقد، وذلك حين استبدلت الحوار الداخلي بالأوامر الفوقية. وهنا نستحضر صرخة روزا لوكسمبورغ المدوية في وجه المركزية المتصلبة، حين أكدت أن "الحرية هي دائمًا وبالضرورة حرية من يفكر بشكل مختلف"..


لم تكن لوكسمبورغ تدافع عن الفوضى، بل كانت تحذر من تحول الحزب إلى "ثكنة" عسكرية تخنق روح المبادرة لدى الجماهير.. فالحزبي الذي لا يرى عيوب بيته التنظيمي، ويقدس الخطأ لمجرد صدوره عن المركز، هو في الحقيقة يساهم في بناء "تابوتًا متحركًا" لا تنظيمًا حيًا..

إن التصحيح الحقيقي يبدأ بامتلاك الجرأة على البحث عن "النظافة الفكرية والأخلاقية" وسط الركام، والتعاون مع "الجيدين، النظيفين" لخلق كتلة حرجة من الوعي، ترفض منطق القطيع المصفق.


تجاوز العُقد الجغرافية والولاءات الضيقة:


لقد طرحنا في نقاشنا معادلة تتجاوز العُقد التاريخية والجهوية: لا ضير أن يتصدر المشهد ابن صنعاء أو ابن عدن او ابن صعدة أو ابن تعز، أو أي بقعة من جغرافيا الوطن، طالما كان "نظيف اليد" و"كفؤ العقل". إننا نرفض منطق "المحاصصة" المقيت الذي يبني التنظيمات على أساس الولاءات الضيقة، لأن هذا المنطق هو الذي يفرغ العمل السياسي من محتواه الأخلاقي والوطني، والتجارب الحاصلة في البلتد في الشرق والغرب والشمال والجنوب اليوم دليل على الفشل الذي نعيشه.


لأن المعيار الحقيقي هو "الإنجاز". فالبناء الحقيقي يكون بالكوادر التي تؤمن بأن "الإنسان العاقل الحر" هو حجر الزاوية في أي تغيير منشود. وأن القائد الأفضل هو بالضرورة الأكفأ، لا الأكثر صراخًا في الميادين، ولا الأقرب دمًا إلى مراكز القوى.


استيعاب الذات كفعل ثوري: الحزب أداة لا زنزانة


في سؤالنا عن لماذا يفشل البعض في قبول الآخر؟ نصل لنتيجة مفادها: لأنهم فشلوا في استيعاب ذواتهم أولًا، وفي فهم طبيعة الدور التاريخي للتنظيمات!

إن الحزب، في رؤيتنا المستلهمة من الفكر الثوري الرصين، هو "أداة للمجتمع ككل"، وليس زنزانة للفكر أو وسيلة للإقصاء. نحن لا نريد "استاتيكية" قاتلة تحول الكادر إلى مجرد "ترسًا" في آلة صماء، بل نريد حركية واعية تقبل التعدد وتقارن بين الرؤى المختلفة لتنتج الأفضل.


فالكادر الحقيقي هو من يختار انتماءه بوعي كامل، ويرفض أن يكون مجرد أداة لتنفيذ أجندات لا يفهمها أو لا يؤمن بها. إنه الكادر الذي يدرك أن قوته تكمن في قدرته على النقد والمراجعة، لا في قدرته على الطاعة العمياء.


الخيار المصيري: ثورة في المفاهيم أم ترميم للخراب؟


إننا لا ندعو لمجرد "إصلاح اجتماعي" باهت يكتفي بطلاء الواجهات، بل ندعو لثورة في المفاهيم والقيم التنظيمية. وكما حذر جورج طرابيشي من "القومية التي تنقلب ضد القومية" حين تفرغ من محتواها الإنساني، فإننا نحذر اليوم من "الثورة التي تنقلب ضد الوعي" حين تتحول إلى أداة للقمع والتدجين.


إن الطريق نحو المستقبل يبدأ من خلال التركيز على البناء بالكوادر:


بالإنسان الذي يرفض أن يكون أداة (حذاء) في مسيرة غامضة الأهداف.

بالعقل الذي يرى في النقد أداة تطهير ضرورية، لا ذريعة للتخوين والإقصاء.

باليد النظيفة التي تبني على أسس الكفاءة والنزاهة، لا على أنقاض المحسوبية والولاء الأعمى.


فما هو نافع للجميع هو ما يجب أن يكون، وهذا ما يجعلنا نقول أن هذه الأسس هي التي يجب أن تكون، لمن كان له وعي وبما يجعل المجموع يرى الانجاز في الواقع المعاش.