آخر تحديث :الأحد-05 أبريل 2026-10:20م

العنف الجنوبي الجنوبي.. إلى أين يمضي بنا كسر الإرادات؟

الأحد - 05 أبريل 2026 - الساعة 02:57 م
احمد ناصر حميدان

بقلم: احمد ناصر حميدان
- ارشيف الكاتب


تطور الخلاف الجنوبي الجنوبي خلال السنوات الماضية من مجرد تباين سياسي إلى حالة احتقان انتهت في بعض محطاتها إلى عنف ومظاهرات وقمع وكسر إرادات، وكل طرف يعتقد أن لديه مبرراته السياسية والوطنية.

فالشرعية ترى أن الانتقالي، خلال ما يقارب عشر سنوات، لم يكن عامل استقرار أو مدخلا لبناء دولة، بل تحول في كثير من المحطات إلى حجر عثرة أمام ترسيخ مؤسسات الدولة، وأمام أي شراكة حقيقية يمكن أن يتفق فيها الجميع على المشتركات الوطنية، مع تأجيل القضايا الخلافية الكبرى إلى مرحلة لاحقة، بعد تسوية الملعب السياسي والأمني والعسكري، وبما يسمح مستقبلا بحسم الخيارات الكبرى عبر استفتاء عادل ونزيه.

وفي المقابل، يصر الانتقالي وجمهوره على مشروع الانفصال واستعادة الدولة، لكن هذا المشروع نفسه ما زال محاطا بإشكالات كبيرة وتناقضات لا يمكن القفز فوقها، لأن شعار استعادة الدولة شيء، وشكل الدولة وطبيعتها وضماناتها شيء آخر تماما.

فحتى على مستوى الشعار، ليس هناك توافق جامع حول مفاهيم مثل دولة الجنوب العربي، ولا حول مضمونها السياسي، ولا شكلها القانوني، ولا مدى قدرتها على استيعاب التنوع الجنوبي وحماية الحقوق والحريات والمواطنة المتساوية. ولهذا فإن الذهاب إلى هذا المسار دون توافق حقيقي، ودون ضمانات واضحة، قد لا يكون طريق خلاص، بل قد يتحول إلى مخاطرة مجتمعية وسياسية كبرى.

المشكلة الأعمق أن المنظومة السياسية التي تقدم نفسها ممثلا للقضية الجنوبية، وفي مقدمتها الانتقالي، لم تنجح حتى الآن في طمأنة كل الجنوبيين، ولا في تقديم نموذج جامع قادر على تلبية تطلعاتهم. بل إن كثيرين يرون أنها كانت، في ممارساتها وخطابها، أكثر أدوات التمزيق للّحمة الجنوبية، وأنها ساهمت في تحويل جوهر المعركة من قضية سياسية معقدة إلى صراع جنوبي جنوبي يستنزف المجتمع ويأكل رصيده الأخلاقي والسياسي.

وهنا يبرز السؤال الجاد:

هل حان الوقت فعلا لإيقاف منطق العنف وكسر الإرادات؟

لأن أي مشروع سياسي، مهما كانت شعاراته، إذا لم يقم على دولة ضامنة للحريات والعدالة والمواطنة المتساوية، فإنه سيتحول إلى مجرد إعادة إنتاج لدوائر الصراع القديمة، بأسماء جديدة فقط.

المدخل الحقيقي لأي حل لا يكون بفرض أمر واقع بالقوة، ولا بإخضاع الناس بالسلاح أو التخوين أو القمع، بل عبر تسوية سياسية حقيقية تعيد هيكلة المشهد كله:

بناء مؤسسات دولة محترمة

هيكلة القوات العسكرية والأمنية تحت إطار وطني وقانوني

حماية الحريات العامة

ضمان التعدد السياسي

وخلق بيئة نزيهة يستطيع فيها الناس التعبير عن إرادتهم دون خوف أو ابتزاز أو وصاية

فإذا أراد الناس لاحقا حسم مستقبلهم السياسي، فلا بد أن يكون ذلك عبر استفتاء حر وعادل ونزيه، لا عبر فائض القوة ولا عبر فرض الإرادة بقوة السلاح.

أما استمرار العنف، فلن يقود إلا إلى جولات جديدة من الصدام، تنتهي غالبا بمنطق الغالب والمغلوب. وفي هذه المعادلة لا يوجد حل حقيقي، بل مجرد منتصر يستولي على السلطة، ومهزوم يقاوم حتى تتغير موازين القوة، ثم يعاد إنتاج الصراع من جديد.

وهكذا ندور في الحلقة نفسها: منتصر اليوم، ومهزوم غدا

سلطة اليوم، وتمرد غدا

قمع اليوم، وثأر غدا

إلى أن نصل إلى النتيجة الأخطر: وطن يفقد سيادته، وشعب يفقد إرادته، ومجتمع يفقد ثقته بنفسه وبمستقبله.

وعندها لا يبقى شيء يستحق الصراع من أجله: لا وطن حقيقي، ولا حرية، ولا عدالة، ولا مواطنة، ولا حياة سياسية سليمة.

احمد ناصر حميدان