في لحظات التحول الكبرى التي تمر بها القضايا الوطنية، لا يكون التحدي فقط في مواجهة الخصوم، بل في كيفية إدارة الخلافات داخل الصف الواحد. فنجاح أي مشروع وطني لا يرتبط فقط بعدالة قضيته، بل أيضا بسلامة أدواته ونضج خطابه السياسي.
لقد أفرزت المرحلة الراهنة ظواهر مقلقة في اوساط النخب الاجتماعية والفكرية، والسياسية والاعلامية، أبرزها تصاعد خطاب التخوين والمناكفات، وهي ممارسات لا تخدم عدالة قضيتنا ولا أهداف شعبنا، بقدر ما تُلحق بها ضررا بالغا.
فالتخوين، حين يتحول إلى أداة جاهزة في مواجهة كل رأي او فكر مختلف، يُفقد المجتمع السياسي تماسكه، ويُسهم في تآكل الثقة بين مكوناته. ومع غياب الثقة، تتراجع فرص بناء موقف موحد قادر على تحقيق الأهداف الوطنية.
ولعل الأخطر من ذلك أن هذه الممارسات تفتح المجال أمام الانقسام، وتُضعف الجبهة الداخلية، في وقت تكون فيه الحاجة ماسة إلى أعلى درجات التماسك والتكامل. فالقضايا العادلة لا تسقط بسبب خصومها فقط، بل قد تتعثر أحيانا بسبب صراعات أبنائها، حين تُستنزف الطاقات في معارك جانبية لا طائل منها.
في المقابل، يبرز الحوار كخيار استراتيجي لا يمكن الاستغناء عنه. فالحوار ليس ترفا سياسيا، بل ضرورة تفرضها طبيعة العمل الوطني، الذي يقوم أساسا على التعدد والتباين لاسيما في المنعطفات الخطيرة ومراحل التحول المصيرية. والحوار هو السبيل الذي يمكن من خلاله إدارة الخلافات بطريقة بناءة، تُحول التنوع إلى مصدر قوة، لا إلى عامل انقسام.
إن بناء جسور الثقة بين مختلف قوى ومكونات وشرائح مجتمعنا الجنوبي، يمثل حجر الزاوية في أي مشروع وطني ناجح. فالثقة تُبنى عبر خطاب مسؤول، ومواقف متزنة، وإرادة حقيقية في الشراكة، لا عبر الاساءة والإقصاء والتشكيك، أو الادعاء باحتكار الوطنية ونزيلها عن الآخر المختلف.
هذا هو الخطاب الذي يمكن ان يشعر الجميع بأنهم جزء من الهم والقضية المشتركة، حينها فقط يصبح الدفاع عنها مسؤولية جماعية للجميع، لا حكرا او عبئا على فئة دون أخرى.
إن المرحلة التي نمر بها حساسة ودقيقة تتطلب وعيا سياسيا أكثر نضجا، يدرك أن وحدة الصف ليست شعارا يُرفع، بل سلوك يُمارس. وأن قوة القضايا لا تكمن في حدة الخطاب، بل في قدرتها على توحيد الناس حول هدفهم المشترك، وتقديم نموذج سياسي وأخلاقي يعكس عدالة ونبل وسمو قضية شعبنا وتضحيات شهدائنا واهدافنا الوطنية المتمثلة في الحرية والكرامة واستعادة الدولة الجنوبيه كاملة السيادة على كامل جغرافيا التراب الجنوبي الطاهر.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري إعادة تصحيح المفاهيم السائدة، والانتقال من ثقافة التخوين إلى ثقافة الحوار، ومن منطق المناكفة إلى منطق الارتقاء والمسؤولية الوطنية. فالقضايا الكبرى لا تنتصر بالاساءات او بالاصوات المرتفعة، بل بالعقل الهادئ، ولا بالتشكيك، بل بالثقة المتبادلة، ولا بالانقسام، بل بتماسك النسيج المجتمعي ووحدة الصف الداخلي.
يبقى في النهايه السؤال الأهم: هل نختار طريقا يُضعفنا من الداخل، أم نسلك مسارا يعزز تماسكنا ويقودنا نحو تحقيق أهدافنا الإجابة لا تكمن في الشعارات، بل في الممارسة اليومية لخطاب سياسي مسؤول يضع مصلحة الجنوب كوطن وشعب وقضيه وتاريخ وهويه فوق كل اعتبار.