كتب/ صدّيق الطيار
في مدينة تصارع يومها بما تبقى من صبر، لم يعد الألم يقاس بحجم الانقطاع في الكهرباء أو بندرة المياه، بل بما هو أعمق.. بانكسار الإحساس بالأمان، وبذلك الشعور القاسي حين يكتشف الإنسان أن ما ادخره ليحتمي به من قسوة الحياة، لم يعد في مأمن حتى داخل جدران بيته.
في عدن، لم تعد سرقة بطاريات الطاقة الشمسية ومضخات المياه جريمة عابرة تُسجل في محاضر الشرطة، بل تحولت إلى جرح يومي مفتوح، يتسلل إلى البيوت بصمت، ويغادرها مثقلاً بوجع لا يُرى، لكنه يُعاش في أدق تفاصيل الحياة.
أي قسوة تلك التي تدفع إنساناً إلى سرقة ما يُبقي غيره على قيد الاحتمال؟! وأي ضمير يجعله ينتزع من بيت وسيلته الوحيدة لمقاومة العتمة والحر الشديد؟! وأي قاع يمكن أن تبلغه نفسه حين يرى في الماء غنيمة تُسرق؟!
هذه ليست سرقات عادية... إنها انتزاع مباشر لحق الإنسان في العيش بكرامة. فخلف كل بطارية مسروقة سنوات من التعب، وأحلام مؤجلة، ومبالغ جُمعت من قوت الأيام. وخلف كل مضخة تُنتزع قصة أسرة كانت تظن أنها أخيراً أمسكت بطرف الاستقرار، فإذا بها تعود دفعة واحدة إلى نقطة الصفر.
في لحظة واحدة.. لا يُسرق جهاز، بل تُسرق الطمأنينة.. لا يُفقد معدن، بل يُفقد الإحساس بأن لهذا البيت حرمة، وأن لهذا التعب قيمة.
حين تُطفأ البيوت قسراً، لا يسود الظلام المكان فقط، بل يمتد إلى داخل النفوس. يتحول الليل إلى عبء، والصمت إلى خوف، وكل صوت عابر إلى احتمال سرقة جديدة. يستيقظ الناس لا على ضوء الشمس، بل على قلق متجدد: "هل ما زال كل شيء في مكانه؟".
الألم الحقيقي لا يكمن فقط في الخسارة، بل في ما تخلّفه من شعور بالعجز.. أن ترى ثمرة جهدك تُنتزع منك ولا تستطيع فعل شيء حيال ذلك...أن تضطر لإعادة الحسابات من جديد، وأن تعيش تحت ضغط الخوف من تكرار الفاجعة… هذا هو الاستنزاف الذي لا يُقاس بالأرقام.
لكن الأخطر من كل ذلك، هو ما تكشفه هذه الظاهرة من تصدع عميق في القيم. أن تتحول معاناة الناس إلى فرصة للنهب، وأن يغيب الوازع الديني والإنساني إلى هذا الحد... فهذه ليست مجرد أزمة أخلاق فردية، بل مؤشر على خلل يهدد بنية المجتمع بأكمله.
حين تُنتهك حرمة البيوت، وتُسرق أسباب الحياة، ولا يهتز ضمير الفاعل.. فالمشكلة لم تعد في الجريمة وحدها، بل في ما سبقها من صمت، وما تلاها من لامبالاة.
إن ما يحدث في عدن اليوم هو اختبار قاسٍ لفكرة المجتمع نفسها: هل ما زلنا نرى في بعضنا امتداداً لنا؟ أم تحولنا إلى وحوش يأكل بعضنا بعضاً تحت ضغط الحاجة والفوضى؟!
المعالجة هنا لا يمكن أن تكون أمنية فقط، ولا وعظية فقط، بل إنسانية شاملة. نحن بحاجة إلى استعادة معنى "الحرام" قبل تطبيق العقوبة، وإحياء معنى "الأمانة" قبل المطالبة بالحماية.
بحاجة إلى خطاب يعيد للناس إحساسهم بأن ما يؤلم غيرهم يجب أن يعنيهم، وأن نجاة الفرد لا تكون على حساب انهيار الآخرين.
عدن لا تنقصها فقط الكهرباء ولا المياه.. عدن تنقصها لحظة صدق مع الذات، تعيد ترتيب ما تآكل من داخلها.
فحين يصبح الضوء هدفاً للسرقة، والماء سلعة منهوبة، والبيت مكاناً غير آمن، فإننا لا نخسر مقومات الحياة فحسب، بل نخسر المعنى الذي يجعل الحياة ممكنة.