آخر تحديث :السبت-28 مارس 2026-02:08م

بين سباق التسلح وضياع التنمية… كيف أهدرت العقود العربية فرص النهوض؟

السبت - 28 مارس 2026 - الساعة 09:10 ص
عدنان زين خواجه

بقلم: عدنان زين خواجه
- ارشيف الكاتب


على امتداد عقود طويلة، أنفقت الدول العربية مئات المليارات من الدولارات على التسلح والأمن والدفاع، في ظل بيئة إقليمية مضطربة وصراعات متواصلة. غير أن هذا الإنفاق الضخم، الذي كان يُفترض أن يعزز الاستقرار والسيادة، يثير اليوم تساؤلات جوهرية حول جدواه، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والتنموية التي تعاني منها معظم الدول العربية.

يرى مراقبون أن جزءاً كبيراً من هذه الموارد لو تم توجيهه نحو مشاريع استراتيجية في التعليم، والبنية التحتية، والصناعة، والزراعة، لكان كفيلاً بإحداث تحول جذري في واقع المنطقة. فالتعليم النوعي كان يمكن أن يخلق جيلاً قادراً على الابتكار والمنافسة، والاستثمار في الصناعة كان سيقلل من التبعية للخارج، بينما كان تطوير القطاع الزراعي سيعزز الأمن الغذائي ويقلل من الاعتماد على الاستيراد.

لكن الواقع يشير إلى فجوة كبيرة بين الإمكانات المتاحة والنتائج المحققة. فالدول العربية، رغم ما تمتلكه من ثروات طبيعية وموقع جغرافي استراتيجي، لا تزال تعاني من ضعف في التكامل الاقتصادي، وغياب المشاريع المشتركة الكبرى، وانقسام سياسي حال دون بناء كيان موحد قادر على مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.

ويُرجع محللون هذا الوضع إلى ما يمكن وصفه بـ"الفشل السياسي التراكمي"، حيث لم تنجح الأنظمة العربية في بلورة مشروع وحدوي أو رؤية استراتيجية طويلة المدى تستثمر الإمكانات الهائلة للمنطقة. وبدلاً من ذلك، سادت السياسات الفردية والقطرية، ما أدى إلى تشتت الجهود وتضارب المصالح.

هذا الفشل انعكس بشكل مباشر على مستوى السيادة، حيث أصبحت بعض الدول العربية عرضة للتدخلات الخارجية، سواء عبر النفوذ السياسي أو الاقتصادي أو حتى العسكري. كما أن انتشار القواعد العسكرية الأجنبية في عدد من الدول يعكس هشاشة القرار السيادي، ويطرح تساؤلات حول مدى استقلالية هذه الدول في رسم سياساتها.

وفي ظل هذا المشهد، تبدو الحاجة ملحة لإعادة تقييم الأولويات. فالأمن الحقيقي لا يتحقق فقط عبر التسلح، بل من خلال بناء اقتصاد قوي، وتعليم متقدم، ومؤسسات مستقرة، وتكامل إقليمي حقيقي. كما أن تحقيق نهضة عربية شاملة يتطلب إرادة سياسية تتجاوز الخلافات، وتسعى إلى توحيد الجهود نحو مشروع حضاري جامع.

إن ما تعيشه الأمة العربية اليوم ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة خيارات يمكن مراجعتها وتصحيح مسارها. وبينما تستمر التحديات، تبقى الفرصة قائمة لإعادة توجيه البوصلة نحو التنمية والاستقلال الحقيقي، وبناء كيان عربي قادر على استعادة مكانته في عالم يتغير بسرعة.