سامي الحميري
يحتل اللواء الركن محمود الصبيحي، عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، مكانة فريدة في تاريخ اليمن الحديث، باعتباره نموذجا للرجل الدولة والقائد العسكري المحنك الذي جمع بين الوعي السياسي العميق والنزاهة الوطنية والمواقف الثابتة.
فقبل ثورة 2011، كان الصبيحي واحدا من أبرز القيادات العسكرية التي تلقت تدريباتها الأكاديمية في الكلية العسكرية في عدن، وشغل مناصب قيادية مختلفة منها مدير ديوان بوزارة الدفاع في عدن، وأركان حرب لواء نلهن، وقيادة الكلية العسكرية ثم شغل منصب قائد اللواء 119 مشاه ثم قائداً للمنطقة العسكرية الجنوبية، فأظهر قدرة استثنائية على إدارة الملفات الأمنية المعقدة.
لكن مواقفه الوطنية الحقيقية تجلت بوضوح مع اندلاع ثورة الشباب السلمية في 2011، حين وقف في صف الشعب اليمني متحديا الانتماءات الضيقة، واتخذ قرارا مصيريا بإعلان انضمامه إلى الثورة، مما شكل نقطة تحول كبيرة بانضمام وحدات عسكرية كبيرة بقيادته إلى صف المعارضة السلمية، في تجسيد حي للعسكري الذي يضع ولاءه للوطن فوق أي ولاء آخر.
عقب التسوية السياسية، تولى الصبيحي حقيبة الدفاع في حكومة الوفاق الوطني، في فترة كانت اليمن فيها على أعتاب أخطر مراحله التاريخية مع تمدد مليشيا الحوثي المدعومة من إيران.
وهنا برزت عبقرية الصبيحي في إدارة الأزمات، إذ أدرك مبكرا أن المليشيا لا تريد شراكة حقيقية بل تسعى للانقلاب على الدولة، فتحلى بحنكة سياسية وعسكرية عالية في التعامل مع هذا التحدي، محاولا بكل ما أوتي من قوة الحفاظ على مؤسسة عسكرية وطنية.
كان رفضه الانصياع للمشروع الانقلابي واضحا منذ البداية، وظل متمسكا بشرعية الدولة رافعا راية الجيش الوطني، حتى جاء يوم 21 سبتمبر 2014 الذي شهد انقلاب المليشيا على السلطة في صنعاء.
ورغم سقوط العاصمة، لم يتخل الصبيحي عن موقفه، وظل في موقع المسؤولية في ظروف بالغة الصعوبة، وكانت المضايقات التي تعرض لها خير دليل على أنه كان يشكل عقبة كأداء في طريق مشروعهم التدميري.
ومع اشتداد وتيرة الانقلاب وتوسع المليشيا في المحافظات الجنوبية، كان للصبيحي موقف أسطوري حين تصدى ببسالة في مدينة عدن، حيث قاد مقاومة شرسة ضد المليشيا الحوثية رافعا راية الدفاع عن الشرعية والوطن.
في تلك الأيام العصيبة، قاتل الصبيحي مع أبناء الجيش الوطني والمقاومة الجنوبية، وسجل ملحمة وطنية حين تصدى بكل شجاعة لزحف المليشيا، حتى أسر في أبريل 2015 بعد أن استنفد كل ذخيرة المقاومة، وكان أسره خسارة فادحة للوطن لكنه كان دليلا على أنه قائد يقاتل في الميدان ولا يتخلى عن موقعه.
ظل في الأسر قرابة ثمان سنوات، قضاها في ظروف قاسية، متمسكا بثوابته الوطنية رافضا كل محاولات كسره أو ابتزازه سياسيا، حتى أفرج عنه في أبريل 2023 ضمن صفقة تبادل أسرى بين الحوثيين والحكومة الشرعية، ليخرج قويا لم تنل منه محاولات التعذيب النفسي والجسدي، ويعود ليكمل مسيرته في خدمة الوطن.
وفي يناير 2026، جاء اختيار اللواء الصبيحي ليكون عضوا في مجلس القيادة الرئاسي تتويجا لمسيرته النضالية الطويلة، فظل وفيا لثوابته الوطنية، مركزا على توحيد الصف العسكري تحت راية وزارة الدفاع وهيئة الأركان العامة، وداعما لجهود المجلس في استعادة مؤسسات الدولة.
كان دوما صوت الحكمة في المجلس، داعيا إلى ترتيب البيت الداخلي وتعزيز الجبهة الداخلية لمواجهة المشروع الإيراني، وحريصا على دعم القوات المسلحة في إطارها الوطني الموحد، معتبرا أن معركة استعادة الدولة من الانقلاب الحوثي هي المعركة الأساسية التي يجب أن تتوحد حولها كل القوى الوطنية.
إن سيرة محمود الصبيحي هي سيرة رجل دولة وقائد عسكري أفنى حياته في خدمة اليمن، نموذجا نادرا للقائد الذي لم يخلط بين المصلحة الشخصية والمصلحة العامة، فتميزت مواقفه بالثبات والنزاهة، فلم يسع إلى التقسيم أو الفتنة، بل ظل يدعو دوما إلى وحدة اليمن أرضا وإنسانا ضمن إطار الدولة الاتحادية العادلة.
لقد أثبت الصبيحي، من خلال مسيرته من قيادة المناطق العسكرية، مرورا بدوره المحوري في ثورة 2011، وصولا إلى ملحمة أسره في عدن حيث قاتل حتى الرمق الأخير، ثم خروجه من الأسر متمسكا بقضيته، وأخيرا في موقعه الحالي في مجلس القيادة الرئاسي، أنه مثال للقائد الذي عرف متى يقاتل ومتى يتفاوض ومتى يصنع التوافق، لكنه لم يعرف أبدا كيف يتنازل عن ثوابت الوطن.