الموروث النبوي الشريف قد اخبرنا سيد الخلق عليه افضل الصلاة والسلام في توصيف دقيق لحالة من الفوضى الفكرية والاجتماعية أطلق عليها زمن الرويبضة والرويبضة كما عرفه الحديث الشريف هو الرجل التافه يتكلم في أمر العامة وإذا ما نظرنا إلى واقعنا اليوم سنجد أن هذا التوصيف لا يكتفي بكونه نبوءة تاريخية بل أصبح واقعاً نعيشه في أدق تفاصيل حياتنا العامة والرقمية .
نحن نعيش اليوم في عصر الديمقراطية الرقمية المشوهة حيث منحت منصات التواصل الاجتماعي صوتاً لمن يملك أعلى ضجيج لا لمن يملك أعمق فكرة لقد تراجعت قيمة التخصص وانزوت الخبرة في زوايا الصمت ليتصدر المشهد أشخاص يفتقرون للحد الأدنى من المعرفة الأكاديمية أو المهنية أو الصدق ومع ذلك يفتون في شؤون السياسة والاقتصاد والقانون وحتى القيم الأخلاقية .
إن خطورة الرويبضة لا تكمن في تفاهة الطرح فحسب بل في قدرته على تزييف الوعي الجمعي عندما تصبح الشائعة أسرع وصولاً من الخبر الموثق وعندما يُهمّش المهنيّ الملتزم بأخلاقيات المهنة لصالح المؤثر الذي يبحث عن التريند بأي ثمن فإننا نكون أمام اختلال بنيوي في معايير الحوكمة الرشيدة والمواطنة الواعية .
إن صمت العقلاء والخبراء في هذه الأوقات هو بمثابة الضوء الأخضر لهذا العبث ليتمدد فالمسؤولية اليوم تقع على عاتق المؤسسات الرسمية والكيانات الإعلامية الرصينة لاستعادة هيبة الكلمة وإعادة الاعتبار للمختصين كل في مجاله .
الخروج من مأزق زمن الرويبضة يتطلب وعياً مجتمعياً صارماً في فلترة ما نتلقاه من معلومات علينا أن نسأل دائماً من يتحدث ؟ وما هي خلفيته المعرفية ؟ وما هو هدفه الحقيقي ؟ .
إن حماية الفضاء العام من الانحدار الأخلاقي والمعرفي هي معركة وعي بامتياز فلا يمكن بناء أوطان أو تطوير مؤسسات او نجاح ثورات إذا كانت المرجعية هي الأكثر متابعة بدلاً من الأكثر كفاءة ونزاهة و صدقاً .
إن أخطر ما يواجه المجتمعات هو أن يُوكل الأمر لغير أهله وأن يصبح الجهل منصة يُدار منها الوعي العام .