في اليوم العالمي للمياه 22 مارس 2026م، لا يمكننا الحديث عن الماء بوصفه مجرد مورد طبيعي، بل كقضية إنسانية عادلة تكشف عمق الفوارق في عالمنا. فالماء، الذي يُفترض أن يكون حقًا أساسيًا للجميع، أصبح في كثير من الأماكن معيارًا للتمييز وعدم المساواة.
عندما يغيب الماء الآمن عن المنازل، لا تتوقف الأزمة عند العطش فقط، بل تمتد لتصيب الكرامة، والصحة، والتعليم، ومستقبل المجتمعات بأكملها. وهنا، تتحمل النساء والفتيات العبء الأكبر. فهن من يمشين لساعات طويلة لجلب الماء، وهن من يعتنين بالمرضى بسبب
تلوثه، وهن من يُحرمن من التعليم والعمل بسبب هذه المسؤوليات الثقيلة.
إن أزمة المياه هي في حقيقتها أزمة عدالة، بل هي أزمة نساء.
ورغم هذا الدور المحوري، تُقصى النساء في كثير من الأحيان من مواقع صنع القرار المتعلقة بالمياه. فلا يُستشارن في السياسات، ولا يُمثلن في القيادة، ولا يُمنحن التمويل الكافي. وهذا الإقصاء لا يزيد الأزمة إلا تعقيدًا.
إن الحل لا يكمن فقط في توفير المياه، بل في تبني نهج عادل قائم على الحقوق، يُعيد للمرأة صوتها ودورها. يجب أن تكون النساء شريكات حقيقيات في تصميم الحلول، من تخطيط شبكات المياه إلى وضع السياسات، وأن يكنّ في مقدمة التغيير كمهندسات، ومزارعات، وعالمات، وقائدات مجتمع.
لكن التحديات تتزايد. التغير المناخي، والكوارث المرتبطة بالمياه، ونقص التمو
يل، والعادات الاجتماعية، وضعف الحوكمة… كلها عوامل تضغط على هذا المورد الحيوي. لذلك، فإن المسؤولية جماعية، وتتطلب مشاركة الجميع، بما في ذلك الرجال والفتيان، كحلفاء في تغيير الواقع وتعزيز المساواة.
وفي اليمن، تتجلى هذه الأزمة بشكل أكثر حدة وألمًا.
اليمن من أكثر الدول معاناة من شح المياه في العالم، والسبب لا يعود فقط إلى الطبيعة القاسية، بل إلى سوء إدارة هذا المورد واستنزافه بشكل خطير. فقد أدى الحفر العشوائي للآبار إلى استنزاف المياه الجوفية بسرعة مخيفة، حتى أصبحت بعض المناطق مهددة بالجفاف التام.
أما الكارثة الأكبر، فهي الاستخدام المفرط للمياه في زراعة القات، الذي يستهلك كميات هائلة من المياه على حساب الغذاء والحياة. في بلد يعاني من نقص حاد في المياه، يُهدر هذا المورد الثمين في زراعة لا تعود بالنفع الحقيقي على المجتمع، بل تزيد من أزماته الصحية والاقتصادية.
إن استمرار هذا النهج يعني مستقبلًا مظلمًا، حيث لن يجد اليمنيون ماءً للشرب، ولا للزراعة، ولا للحياة.
لذلك، أصبح ترشيد استهلاك المياه في اليمن ضرورة وجودية، وليس خيارًا.
يجب التحول نحو تقنيات الري الحديثة التي توفر المياه، وتقليل الا
عتماد على زراعة القات، وحماية المياه الجوفية من الاستنزاف، ونشر الوعي المجتمعي بأهمية كل قطرة ماء. فالماء ليس موردًا لا ينضب، بل أمانة يجب الحفاظ عليها للأجيال القادمة.
في اليوم العالمي للمياه، علينا أن ندرك أن الماء ليس فقط أساس الحياة، بل أساس العدالة والمساواة. وعندما نضمن وصول الجميع إلى الماء، ونمنح النساء دورهن الكامل، ونحسن إدارة هذا المورد، فإننا لا نحمي البيئة فقط، بل نبني مستقبلًا أكثر إنصافًا واستدامة.
الماء حياة… لكنه أيضًا كرامة، وعدالة، ومستقبل.
قال تعالى بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: 30]
صدق الله العظيم