يقول المثل الشعبي الحقيقة قد تجرح لكن الكذب يقتل في أوقات الأزمات والتحولات الكبرى يندفع البعض عن حسن نية أو سوء تقدير نحو تزييف الواقع وتغليف الإخفاقات بغلاف من الانتصارات الوهمية ظناً منهم أنهم يحمون الروح المعنوية لكن الحقيقة التي يغفل عنها هؤلاء هي أن الوهم هو أكبر مستنزف لطاقات الشعوب وأقصر طريق لكسر الإرادة .
قصة الراعي والذئب والتي الكل يعرفها ليست مجرد حكاية للأطفال بل هي درس في علم الاجتماع السياسي عندما يُدمن المسؤول أو الإعلامي أو صاحب الرأي إطلاق صرخات النصر القريب أو الأزمة العابرة بينما الواقع ينطق بعكس ذلك فإنه يبني جداراً عازلاً بين الحقيقة وبين الناس .
عندما تأتي اللحظة الحقيقية التي يحتاج فيها هذا الراعي صرخة صادقة يستنهض بها الهمم لن يجد أحداً يلتفت إليه المصداقية هي العملة الوحيدة التي لا يمكن استردادها إذا ضاعت وقتل حماس الناس بالكذب خصوصاً اذا استمر طويلاً يجعلهم في حالة من التبلد والتشكيك الدائم حتى في المنجزات الحقيقية .
الطاقة البشرية مثلها مثل أي مورد مادي لها حدود عندما يتم دفع الناس لبذل أقصى ما لديهم بناءً على وعود وردية لا تتحقق يحدث ما يسمى بـ الاحتراق النفسي الجماعي .
الوهم يجعل الناس يهرولون في سباق لا نهاية له وعندما يكتشفون أن خط النهاية كان سراباً يسقطون صرعى للإحباط .
الحقيقة المرة رغم قسوتها تسمح للناس بـ تنظيم أنفسهم عندما يعرف الإنسان حجم التحدي الحقيقي فإنه يوفر طاقته ويستعد لمعركة طويلة الأمد ويبني خططه على أسس صلبة لا على رمال متحركة .
إن افتراض أن الناس لا يتحملون سماع الحقيقة هو إهانة لوعيهم الشعوب التي واجهت الصعاب عبر التاريخ هي التي كانت تعلم حجم الكارثة ومقدار التضحية المطلوبة الصدق هو الذي يصنع الأبطال أما الوهم فيصنع المتواكلين الذين ينتظرون معجزات لن تحدث .
لا تقتلوا حماس الناس بالخداع فالحماس المبني على الكذب هو نار هشيم تنطفئ مع أول ريح من الواقع إننا بحاجة إلى صدمة صدق تعيدنا إلى أرض الواقع لنبدأ البناء من جديد على أساس من المكاشفة فأن نسير ببطء ونحن نعرف طريقنا خير من أن نركض بسرعة خلف سراب يتركنا في منتصف الصحراء بلا زاد ولا أمل .
الحقيقة مُرّة لكنها الدواء الوحيد الذي يشفي من داء الهزيمة النفسية .