آخر تحديث :الخميس-19 مارس 2026-10:33م

‏يا ولي أمرنا، أهمس في أذنك اليوم.

الخميس - 19 مارس 2026 - الساعة 02:16 م
د. محمد الحميدي

بقلم: د. محمد الحميدي
- ارشيف الكاتب


‏المحسوبية لا تأتي صاخبة.

‏تدخل بهدوء.

‏تجلس بهدوء.

‏ثم تبتلع الدولة بهدوء.

‏تبدأ من اسم صغير.

‏ومن استثناء صغير.

‏ومن مجاملة صغيرة.

‏ثم تكبر.

‏وتكبر معها الدائرة.

‏حتى يصبح الولاء أهم من الكفاءة.

‏ويصبح القرب من المسؤول أهم من قربك من الوطن.

‏وهكذا من حيث لا ينتبه أحد، تتحول الوظيفة العامة من أمانة إلى غنيمة، ومن تكليف إلى امتياز، ومن خدمة للناس إلى باب واسع للمصالح، والوجوه نفسها والأيدي نفسها والنتائج نفسها.

‏في الوزارات القصة معروفة.

‏الوجوه لا تتغير كثيرًا.

‏القليل من الأسماء تتبدل على الورق فقط.

‏أما الداخل فهو نفسه.

‏والعقل نفسه.

‏والطريقة نفسها.

‏والشعب هم الشعب ، يتأملون وينتظرون، ويُطلب منهم أيضًا الصبر، وكأن الصبر أصبح بديلًا عن الدولة.

‏وفي الخارج، الصورة أكثر وجعًا.

‏السفارات.

‏الملحقيات.

‏القنصليات.

‏تمثل امتداد الدولة خارج حدودها، ويُفترض أن تعكس مستوى مهنيًا يحفظ كرامة المواطن.

‏غير أن غياب الرقابة والمحاسبة مع تأثير المحسوبية في التعيين والإدارة أدى إلى ضعف الاستجابة، وتدنِ في المهنية وغياب أسلوب التعامل اللائق، حتى يشعر المواطن وكأن زيارته لتلك المؤسسات أشبه برحلة إلى جهنم.

‏الطلاب المبتعثون يعرفون هذا جيدًا.

‏اسألهم والله.

‏رسائل كثيرة تصلني.

‏شكاوى لا تقف.

‏وعيون اليمن وعقولها متعبة من الانتظار.

‏بعض الملحقيات بقيت فيها الأسماء نفسها ما يقارب عقدًا كاملًا.

‏عشر سنوات.

‏نفس الإدارة.

‏نفس الردود.

‏نفس الوعود المؤجلة.

‏ونفس الطالب الذي يدور في الحلقة نفسها، كأنه يطلب من باب لا يفتح.

‏الطالب الذي خرج يحمل حلمه، وجد نفسه يقاتل معركة أخرى.

‏ليس في القاعة.

‏بل في الممر.

‏ليس مع المنهج.

‏بل مع المعاملة.

‏ليس مع الدراسة.

‏بل مع من يفترض أنهم خلقوا لتيسيرها.

‏فإذا بهم يحولون الجسر إلى حاجز والطريق إلى متاهة والحلم إلى ورق ينتظر توقيعًا لا يأتي.

‏والقنصليات ايضا لا تقل مرارة.

‏هناك مواطن فقد بيته.

‏وآخر فقد عمله.

‏وثالث فقد الطريق إلى وطنه إلا من بوابة ممثلية يفترض أنها آخر السند.

‏لكنه يكتشف أن الباب هناك أكبر من معاناته، وأن الانتظار في الداخل أشد من الغربة في الخارج، وأن بعض الموظفين يتصرفون وكأنهم أصحاب الدولة لا خدمتها.

‏حتى السكرتارية التي يفترض أن تؤدي عملًا بسيطًا وواضحًا، صارت عند بعض المواقع معضلة.

‏بينما جهاز مواعيد إلكتروني مدعوم بتقنية عادية، كان سيؤدي المهمة بشكل أفضل من كل هذا التعقيد.

‏لكن المشكلة ليست في التقنية وحدها.

‏المشكلة في العقل الذي لا يريد أن يفهم.

‏وفي اليد التي تعودت أن تؤخر.

‏وفي المنصب الذي طال بقاؤه حتى تعب من نفسه.

‏ولي أمرنا المحترم.

‏هذه ليست قصصًا منفصلة.

‏هذه صورة واحدة.

‏منظومة واحدة.

‏محسوبيات طويلة الجذور.

‏ودولة تستنزف من الداخل بينما الخطاب يقول إن كل شيء بخير.

‏لا، ليس كل شيء بخير يا ولي أمرنا.

‏المعلم في تعز ليس بخير.

‏الجندي في عدن ليس بخير.

‏الجرحى في مأرب ليسوا بخير.

‏والطلاب في الخارج ليسوا بخير.

‏والمواطن الذي يطارد حقه في القنصلية ليس بخير.

‏والبلد كله حين تُدار مؤسساته بهذا المزاج لا يكون بخير مهما تجملت العبارات.

‏الإصلاح المؤسسي لا يحتاج خطبة.

‏يحتاج قرارًا.

‏ويحتاج شجاعة.

‏ويحتاج من يجرؤ على أن يقول: انتهى زمن المحسوييات وتبرير الخلل المألوف.

‏انتهى زمن التعيينات الممتدة لعقود.

‏يا ولي أمرنا،

‏أهمس في أذنك اليوم وعلى يقين بأنك ستسمع كما كنت سابقًا،

‏وأما إذا تغيرت، فعلى الدنيا السلام!.

‏لن نعود إلى صنعاء والفساد يمارس بالهواء الطلق.

‏لن نعود إلى عدن، حيث الجندي لم يستلم راتبه المستحق.

‏لن نعود إلى تعز، والمعلم يفتش عن قوت يومه في الشارع.

‏لن نعود إلى مأرب، وجرحى الوطن تبتل أحذيتهم بالدم.

‏لن نعود إلى حضرموت، وأبناؤها ينتظرون ما يليق بتاريخهم الوطني المشرف.

‏ولن تعود الدولة حقًا،

‏ما دامت إب والبيضاء والحديدة وعمران وريمة وذمار وصعدة والمحويت وحجة تُعامل وكأنها خارج الوطن، مجرد أسماء على الخريطة، لا أرواحًا تعيش وتتنفس،

‏كأجيال تنتظر من يمثلها فتجد المقعد شاغرًا، والفراغ ممتلئًا بالمحسوبية، والروتين والولاءات الشخصية التي تلتهم فرصهم وحقوقهم.

‏لا يزال الأمل باق،

‏ليلة سعيدة يا ولي أمرنا المحترم.