ما أصعب ان يكون الحياء ستاراً لبطون خاوية في بيوت لم توقد فيها نار ، في زوايا تلك البيوت تسكن الاسرار والدموع التي لم تجد من يواسيها ، في كل بيت معلم تكمن حكاية بؤس يغلفها الحياء ، المعلم الذي كان يملأ الدنيا ضجيجاً بفيض عطائه ونور هداه صار اليوم يهمس بوجع وآلم في آذان كل الناس ، يخشى أن ينخدش وقاره أمام تلاميذه ، أو أن ينكشف حاله وينكسر أمام جيرانه !
حينما ينكسر عمود ذلك البيت يتوه المعلم ويشرد بعيداً ، لايفكر في قواعد النحو ولا في مفاهيم الجغرافيا أو نظريات الفيزياء ، زاد تفكيره في ملامح ابنه الذي يطلب مصروفا فلايجد ، أو ابنته التي تطلب منه أن تكون كبقية البنات ، تلك اللحظة التي يرى فيها المعلم نفسه قاصر وذليل وتموت فيها الكلمات قبل أن تنطق !
إن الذين ينتظرون خلف أبواب الحياء هم من صنعوا الوزير والمحافظ والمدير ، وهم الحلقة الأضعف في مجتمعنا اليوم ، قمة الوجع أن ينام المعلم ودموعه تنساب على وجنتيه وهو يتساءل متى يعود لي وقاري الذي سرقته الأيام ، وأقف قوياً مبتسماً خلف باب داري !
يمشي المعلم بين تلاميذه كأنه ملك متوج وفي خلوته يخلع ذلك التاج المزيف والمثقل بالهموم ، ويبكي حزناً على ما أصابه ، ليظل الحياء فقط سياجاً يحمي تلك الدموع ، ياله من وجع أنيق خلف تلك الأبواب !
إن دموعهم الصامتة هي أبلغ المواعظ والدروس فرفقاً بقلوب أعطت ولم تأخذ شيء ، إن أشد وأقسى أنواع البكاء مرارة هو ذلك الذي يمارسه الإنسان وهو يبتسم في وجوه الآخرين ليطمئنهم أن كل شيء بخير ، إنها مأساة الشموخ في زمن الفوضى والخنوع حيث لاصوت للمعلم يسمع ، ولا دمع ولا أنين له يشفع !