آخر تحديث :الأحد-22 مارس 2026-01:34ص

ياأهل الأحقاف افيقوا

الأربعاء - 18 مارس 2026 - الساعة 03:36 ص
د. محمد جمال عبدالناصر بن عبود

بقلم: د. محمد جمال عبدالناصر بن عبود
- ارشيف الكاتب



إن حسن النية في زمن التعبئة السياسية والصراع الإقليمي لا يُعد فضيلة، بل تحوّل – بالتجربة والوقائع – إلى أداة لضرب مصالح حضرموت على أرضها. فمنذ ما بعد حرب 1994، ثم مرحلة ما بعد 2015، فُتحت أبواب الارتزاق على مصاريعها، وظهر مستنقع سياسي وأمني توحل فيه عديمو الانتماء، ممن يُحسبون على حضرموت زورًا، بينما يشهد تاريخهم الاجتماعي أن أجدادهم لم يعتلوا رقاب الناس إلا في ظل أنظمة شمولية، وعلى رأسها دولة الحزب الاشتراكي في الجنوب، بعد أن كانوا على هامش المجتمع بحكم الواقع القبلي والاجتماعي.

واليوم، يتكرر المشهد ذاته بأدوات جديدة؛ إذ يُدفع بصبية سياسيين إلى واجهة القرار، لا امتلاكًا للمؤهلات، بل مقابل أثمان معروفة: قصور تُبنى في المكلا، وحسابات تُفتح، وسيارات فارهة تُمنح، في إطار سياسة شراء الولاءات التي انتهجتها السعودية بشكل واضح منذ تدخلها المباشر في الملف الحضرمي، بعد 2016، عبر لجان، ومشرفين، وقوى عسكرية محلية الصنع.

حضرموت، تاريخيًا، ليست رقعة جغرافية طارئة، بل كيان متجذر؛ من ممالك حضرموت القديمة، إلى دولة الكثيري والقعيطي، وصولًا إلى حضورها الاقتصادي والديني في المحيط الهندي وشرق أفريقيا. ولهذا بالذات حقد الحاقدون وطمع الطامعون، لا لقوة الغرباء، بل لضعف الداخل حين يُدار بأدوات مأجورة. فالمشكلة لم تكن يومًا في الخارج وحده، بل في أبناء محسوبين على حضرموت، لا انتماء لهم إلا المال، ولا ولاء لديهم إلا لمن يدفع. وقد أثبتت التجربة أن المال السياسي السعودي، كما المال السياسي سابقًا في زمن الاشتراكية، يُنتج النتيجة نفسها: نخب بلا جذور، بلا قضية، وبلا كرامة.

ولكي تبقى قضية الحضارم حيّة وغير مرتهنة، فإن الوعي بالمرحلة ضرورة وجودية، لا خيارًا. فوجود أعلام أو صور أو رموز لدول أخرى على أرض حضرموت لم يكن يومًا تعبيرًا عن شراكة، بل مؤشر تبعية. وما قام به المجلس الانتقالي الجنوبي منذ تأسيسه في 2017، من ارتهان واضح لأجندات خارجية، أعاد إنتاج نموذج التبعية القديمة؛ حيث تُستخدم الشعارات لتغطية واقع بلا هوية ولا قرار. وهو ذات المسار الذي سلكته نخب اشتراكية سابقًا، حين وجدت في الأيديولوجيا غطاءً لتعويض نقصها الاجتماعي، فتسلطت على الأرض وأهلها بالقوة لا بالشرعية.

ولعل من المفيد التذكير بنماذج تاريخية بعينها؛ فكم من شخصيات اعتلت مناصب عليا في دولة الحزب الاشتراكي، لا بحكم الكفاءة، بل بحكم الولاء، ثم انقلبت على المجتمع الذي احتضنها. هذه النماذج نفسها – بأسمائها أو بتلامذتها – هي من تصفق اليوم للمجلس الانتقالي، لأنها اعتادت دور الخادم المطيع، أيًا كان السيد، ما دام يوفر لها الحماية والامتياز.

أما ما يجري في الرياض منذ سنوات، من إعادة تدوير الوجوه ذاتها في الوزارات اليمنية، وإعادة إنتاج المجلس الانتقالي بمسميات جديدة، تحت لافتة “الشراكة” أو “إعادة هيكلة الشرعية”، فهو مسار موثق سياسيًا، هدفه خلق أدوات تنفيذ محلية، تضمن السيطرة دون تحمل كلفة الاحتلال المباشر. والنتيجة واحدة: تهميش حضرموت، وإضعاف المهرة، وتحجيم شبوة، لصالح مراكز نفوذ مرتبطة بالخارج.

وبالحديث عن التدخلات السعودية في حضرموت، فإن الوقائع على الأرض تُظهر بوضوح أن الأمر يتجاوز الدعم أو التحالف. فمنذ السيطرة على مطار الريان، وإنشاء تشكيلات عسكرية خارج إطار الدولة، والتدخل في القرار المحلي، يتضح أن للسعودية مصالح استراتيجية، في مقدمتها:

السعي إلى منفذ بحري على بحر العرب يحقق لها وصولًا مباشرًا خارج مضيق هرمز.

السيطرة غير المباشرة على الموانئ والمنافذ البرية.

ضمان النفوذ على الثروات النفطية والمعدنية، ومنع أي كيان حضرمي مستقل من التحكم بها.

وهذه السياسات ليست وليدة اللحظة، بل امتداد لتفكير استراتيجي قديم، تعامل مع حضرموت بوصفها عمقًا جغرافيًا واقتصاديًا، لا شريكًا سياسيًا متكافئًا.

ويخطئ من يفسر مسالمة الحضارم والمهرة على أنها ضعف. فالتاريخ يشهد أن هذه المجتمعات لا تنفجر سريعًا، لكنها حين تفعل، تفعل دفاعًا عن الوجود. وصبية الحضارم لا يُعتد بهم في حكم حضرموت، كما أن المهرة لا تُدار بالوصاية، وشبوة لا تُختزل في صفقات.

فيا أهل المهرة، ويا أهل حضرموت، ويا أهل شبوة، إن الالتفاف حول رجال أكفاء، معروفين بسيرتهم لا بولائهم، ونبذ كل من يخالف مصالحكم، ومقاطعته اجتماعيًا وسياسيًا، والاحتكام إلى النكف القبلي والاجتماعي، هو خط الدفاع الأول عن مشروعكم؛ سواء في إطار يمن اتحادي عادل، أو دولة أحقاف متحدة.

فخيراتنا نحن أولى بها، من كل سارق وطامع، لا يرى في أرضنا إلا غنيمة، ولا في أهلها إلا أدوات.

بقلم د.محمد جمال عبدالناصر بن عبود