آخر تحديث :الجمعة-03 أبريل 2026-12:14ص

دروب المرجلة… مطٌّ بلا هدف ولهجة بلا هوية

السبت - 14 مارس 2026 - الساعة 11:21 م
زياد بن محمد

بقلم: زياد بن محمد
- ارشيف الكاتب


بعيداً عن تفاصيل المشاهد أو رصد أداء الممثلين في مسلسل دروب_المرجلة الذي يعرض على قناة_السعيدة، وبمنأى عن الإحاطة بكامل حلقاته لانشغالي، تأتي هذه القراءة لتتأمل العمل كمنتج فني كلي، وتستنطق مساره الدرامي واللغوي وما أحدثه من صخب حول هويته. فالمعضلة الجوهرية التي يواجهها المسلسل -في تقديري- لا تكمن في عجز التنفيذ أو أدواته، بقدر ما تتجسد في "أزمة رؤية" أربكت المنطلق والغاية، وجعلت من الجدل حوله مبرراً ومنطقياً.


منذ عرض الجزء الأول لمسلسل دروب_المرجلة، بدت القصة مقبولة إلى حدٍّ ما، تحمل ملامح درامية يمكن أن تُبنى عليها أحداث متماسكة. غير أن ما تلا ذلك من أجزاء لم يكن سوى مطٍّ متكرر بلا هدف، أحداث أقل ما يُقال عنها إنها فانتازية مفتعلة، لا تمتلك منطقاً ولا واقعاً ولا تصاعداً درامياً حقيقياً. وكأن صناع العمل وقعوا في فخ الاستمرار لمجرد الاستمرار، دون أن يسألوا أنفسهم: هل بقي ما يُروى؟

الجزء الأول أنهى قصته بشكل طبيعي، لكن الإصرار على إنتاج أجزاء إضافية جعل العمل يفقد تماسكه. بدلاً من تطوير الشخصيات أو تعميق الصراع، لجأ المسلسل إلى أحداث متكررة ومبالغات غير مقنعة، مما جعل المشاهد يشعر أنه أمام حشو لا أكثر. هذا النوع من المطّ لا يضيف قيمة فنية، بل يضعف العمل ويحوّله إلى مجرد استهلاك وقتي.


من أبرز إخفاقات المسلسل تحريف اللهجة اليمنية، إذ كان من المفترض أن يكون العمل نافذة تعكس هوية اليمن الثقافية واللغوية. لكن ما حدث هو العكس، فقد تم ترويج لهجات عربية أخرى، سواء لهجة جنوب السعودية أو الأردن، في فشل فاضح لا يبرره سوى رغبة في التسلق على نجاحات الآخرين.


وقد أثار هذا الموضوع جدلاً منذ الجزء الأول، وكتبت عنه وغيري منشورات تنتقد تغييب اللهجة اليمنية، فأصر أحد أبطال المسلسل بأن لهجة العمل "لهجة يمنية"، بل ذهب أحدهم إلى القول إن اليمن أصل العرب وأي لهجة يقولونها هي الأصل الصحيحة. لكن المفارقة أن بطل المسلسل عاد لاحقًا ليعترف بأن العمل من نوع "فنتازي"، وأن اللهجة بالفعل مختلطة بين اليمنية ولهجات أخرى، وهو اعتراف يفضح ارتباك الرؤية وفقدان الهوية.


يرى البعض أن كثرة المشاهدات دليل على نجاح المسلسل، لكن هذا منطق مضلل. فليس كل ما يُشاهد بكثرة يُعد ناجحًا فنيًا. فالشعب اليمني يغلب العامية، ويعيش حربًا طويلة ويعاني ظروفاً قاسية، ومن الطبيعي أن يلجأ المواطن العامي إلى أعمال كوميدية أو خفيفة للهروب من الواقع، حتى وإن كانت فارغة من المضمون. وبالتالي، فإن ارتفاع نسب المشاهدة لا يعد معيارًا لجودة العمل، بقدر ما يعكس حاجة الجمهور إلى الترفيه العابر في ظل المعاناة؛ لذا ستظل مثل هذه الأعمال التجارية في ذيل القائمة إذا ما قورنت بالإنتاج الدرامي العربي المنافس. إذ إن الفن الحقيقي لا يقاس بعدد الأجزاء ولا بكثرة المشاهدات، بل بقدرته على الصدق في التعبير عن الناس وهويتهم. ونقل الواقع بلا رتوش.


المخرج وليد_العلفي مخرج بارع، لكنه فقد البوصلة في السنوات الأخيرة. فمن قدم أعمالًا قوية وهادفة مثل "خلف الشمس" و"العالية"، لديه القدرة بلا شك على استعادة ذاك الألق، شريطة أن يراجع حساباته الفنية بجرأة، ويعترف بأن "دروب المرجلة" كان سقطة مدوية في مسيرته الإخراجية.