على السلطات المركزية اليمنية الاذعان فورا لمطالب حضرموت
يكفي ما عانته حضرموت عبر عقود من الهيمنة والاستبداد، سواء من سلطات الشمال أو الجنوب اليمني منذ عام 1967. فقد عاش الحضارم مرحلة طويلة تحت الاحتلال والاستغلال السياسي والاقتصادي، رغم ما تمتلكه حضرموت من تاريخ عريق وإمكانات بشرية واقتصادية كبيرة كان يمكن أن تجعلها دولة متقدمة.
لقد ظل الحضارم طوال العقود الماضية يتحلون بقدر كبير من الحكمة والصبر، مفضلين لغة العقل والحوار على لغة التصعيد والمواجهة، لكن على مايبدو ان السلطات المركزية الجنوبية واليمنية الحالية، لا تفهم الا لغة العنف.
إن النقاش اليوم لم يعد مجرد جدل سياسي عابر، بل أصبح مسألة تتعلق بالعدالة التاريخية والحقوق القانونية. فحضرموت، إلى جانب المهرة وسقطرى، تمتلك خصوصية تاريخية وقانونية تستوجب معالجة جادة ومسؤولة من قبل السلطات المركزية لحالة الضم القسري التي حدثت عام 1967. إن تجاهل هذه الحقيقة أو الالتفاف عليها لن يغيّر من جوهرها شيئًا، بل سيزيد من تعقيد المشهد ويؤجل الحلول التي لا بد أن تأتي يومًا ما.
لقد آن الأوان لأن تعترف السلطات المركزية بحقيقة الإشكالات القانونية والسياسية التي رافقت ضم حضرموت والمهرة وسقطرى ، وأن تتعامل مع القضية بعقلية الدولة المسؤولة التي تبحث عن الحلول لا بعقلية الدولة الاستبدادية التي كانت قائمة في جنوب اليمن. إن الخطوة الأولى نحو معالجة هذا الملف تكمن في تبني نهج شفاف يقوم على مراجعة الوضع القانوني والتاريخي، وفتح نقاش جاد حول منح حضرموت والمهرة وسقطرى وضعًا خاصًا يراعي خصوصيتها ويضمن حق سكانها في التعبير الحر عن مستقبلهم السياسي.
انه عندما تُبنى الشراكات على الرضا والعدالة والاعتراف المتبادل، تصبح أكثر قوة واستقرارًا. وقد يقبل الحضارم مستقبلًا صيغة شراكة مع اليمن تقوم على أسس قانونية عادلة، وقد يختارون طريقًا مختلفًا؛ لكن الأهم أن يكون القرار نابعًا من إرادتهم الحرة.
إن الاستمرار في تجاهل هذه القضية أو تأجيل معالجتها لن يؤدي إلا إلى تعقيد المشهد. فالحلول الحضارية تبدأ بالاعتراف بالمشكلة وفتح الباب أمام حوار صادق ومسؤول. وحضرموت، بتاريخها العريق وثقافتها المتسامحة، أثبتت دائمًا أنها تفضل الطريق السلمي والقانوني، لكن تجاهل مطالبها المشروعة قد يدفع الأمور إلى مسارات أكثر تعقيدًا وقد تكون مزعجة للسلطات المركزية .
ان الاستمرار في استغلال سلوك الحضارم الحضاري والصبور لن يكون حلًا، بل قد يفتح الباب أمام خيارات أخرى أكثر حدة. فالشعوب التي تشعر بأن حقوقها تُهمَّش لفترة طويلة قد تجد نفسها مضطرة للبحث عن طرق أخرى لانتزاع تلك الحقوق.
يجب على السلطات المركزية الاذعان فورا لمطالب حضرموت باصدار قانون بحق الاستفتاء لشعب حضرموت، وتمكين أبناء حضرموت من التعبير عن رؤيتهم لمستقبلهم. فذلك ليس فقط مصلحة لحضرموت، بل خطوة مهمة نحو بناء استقرار حقيقي قائم على العدالة والاحترام المتبادل.
ولهذا فإن الحكمة السياسية تقتضي اليوم معالجة القضية بشجاعة ووضوح، والبداية على السلطات المركزية الاعتراف بوجود الإشكال، ثم تصحيح الوضع القانوني لحضرموت، بتمكين الحضارم من التعبير الحر عن مستقبلهم. فالحلول العادلة لا تضعف الدول، بل تمنحها شرعية أقوى واستقرارًا أعمق.