آخر تحديث :الأحد-22 مارس 2026-01:34ص

اليمن…سلطة خارج الدستور؟

السبت - 14 مارس 2026 - الساعة 12:24 ص
د. محمد جمال عبدالناصر بن عبود

بقلم: د. محمد جمال عبدالناصر بن عبود
- ارشيف الكاتب


في لحظات سقوط الدول لا يكون الانهيار دائماً بصوت المدافع، بل يبدأ حين تُسحب السلطة من يد الشعب بهدوء، وتُدار الدولة عبر ترتيبات لا تمر عبر الدستور ولا عبر صناديق الاقتراع. وهذا تحديداً ما يخشاه اليمنيون اليوم وهم يشاهدون واقعاً سياسياً يزداد ابتعاداً عن النصوص الدستورية التي يفترض أنها أساس شرعية الحكم.

الدستور اليمني لم يترك مجالاً للجدل حين نص بوضوح على أن الشعب هو مصدر السلطات، وأن الحكم لا يكتسب شرعيته إلا عبر الإرادة الشعبية. لكن السؤال الذي يتردد في الشارع اليمني اليوم بصوت مرتفع: هل ما يحدث يمثل إرادة الشعب فعلاً، أم أن السلطة أصبحت نتاج توافقات سياسية فرضتها ظروف الحرب وتوازنات القوى الإقليمية؟

إن أخطر ما تواجهه اليمن ليس فقط الانقسام السياسي أو الانهيار الاقتصادي، بل تحوّل مفهوم الشرعية من تفويض شعبي إلى واقع سياسي مفروض. فالدساتير لا تُكتب لتُحفظ في الأرشيف، بل لتكون المرجعية العليا التي تضبط انتقال السلطة وتحمي حق الشعوب في اختيار حكامها. وعندما تُدار الدولة خارج هذا الإطار، فإنها تدخل عملياً في منطقة رمادية تفقد فيها السلطة أساسها القانوني والأخلاقي.

لقد نص الدستور اليمني على أن تداول السلطة يتم سلمياً عبر الانتخابات، وهو نص لم يكن مجرد إجراء تنظيمي، بل ضمانة لحماية الدولة من احتكار الحكم ومنع إعادة تدوير القيادات التي أثبتت فشلها. غير أن الواقع السياسي الحالي يطرح تساؤلات صادمة حول ما إذا كانت السلطة اليوم تعكس إرادة الشعب أم تعكس ترتيبات سياسية لا يملك المواطن فيها أي دور حقيقي.

الأكثر إثارة للقلق أن استمرار هذا المشهد يعمّق أزمة الثقة بين الشعب والسلطة. فالدولة التي يشعر شعبها بأنه مغيّب عن صناعة القرار تتحول تدريجياً إلى سلطة منفصلة عن مجتمعها، وهو أخطر مؤشر على هشاشة الاستقرار السياسي.

كما أن السيادة الوطنية، التي يفترض أن تكون خطاً أحمر في أي دولة، أصبحت محل جدل واسع في اليمن. فالقرار السياسي الذي يتشكل تحت تأثير التوازنات الخارجية يفقد استقلاله تدريجياً، ويجعل الدولة رهينة لمصالح لا ترتبط بالضرورة بمصلحة شعبها. وهذه ليست مجرد أزمة سياسية، بل أزمة تمس جوهر مفهوم الدولة ذاتها.

اليمنيون اليوم أمام حقيقة صادمة: دولة بلا انتخابات حقيقية، وسلطة تستمر دون تفويض شعبي مباشر، ومؤسسات تعاني من فقدان الثقة الشعبية. وهذه المعادلة، كما أثبتت تجارب التاريخ، لا تنتج استقراراً بل تؤسس لأزمات متكررة وانقسامات أعمق.

وسط هذا الواقع، يبرز الدور الحاسم للقضاء باعتباره الملاذ الأخير لحماية الدستور. فاللجوء إلى المؤسسات القضائية للطعن في شرعية أي إجراءات سياسية لا يمثل تمرداً على الدولة، بل يمثل دفاعاً عن وجودها القانوني. ومن حق المواطنين، بل من واجبهم الدستوري، المطالبة بالتحقيق في مدى توافق تشكيل السلطة مع نصوص الدستور، والدفع نحو إعادة السلطة إلى الشعب عبر انتخابات حرة تمثل الإرادة الوطنية الحقيقية.

إن ما يحتاجه اليمن اليوم ليس مجرد تسويات سياسية جديدة، بل صدمة دستورية تعيد الاعتبار لمبدأ أن الشعب هو صاحب القرار. فالدول لا تسقط حين تختلف نخبها السياسية، بل تسقط حين يفقد الشعب حقه في اختيار من يحكمه.

اليمن يقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم: إما العودة إلى الدستور وإعادة الشرعية عبر صناديق الاقتراع، أو الاستمرار في مسار سياسي يراكم الأزمات ويؤجل الانفجار الكبير.

والسؤال الذي سيبقى يطارد المشهد اليمني بلا رحمة:

كم يمكن لدولة أن تستمر… وهي تُدار دون تفويض شعبها؟

التاريخ لا يمنح الدول فرصاً كثيرة للإجابة على مثل هذا السؤال… وغالباً ما تكون الإجابة مكلفة عندما تأتي متأخرة.

بقلم د. محمد جمال عبدالناصر بن عبود