بقلم / العلفي أمذيب ناصر الحنشي
بصراحة موجعة، يطرح كثير من أبناء الجنوب اليوم سؤالاً لا يمكن تجاهله: ما الذي يحدث داخل البيت الجنوبي؟ وكيف تحوّل النضال الذي كان يوماً عنوانه الكرامة واستعادة الوطن إلى حالة من المناكفات والاصطفافات المتباينة؟
لقد نشأت القضية الجنوبية بوصفها قضية شعب يسعى إلى استعادة حقوقه وبناء مستقبله، ولم تُخلق لتكون ساحة تنافس بين هذا المحور أو ذاك، ولا لتتحول إلى معركة ولاءات خارجية يتقاسمها هذا الطرف أو ذاك. كانت الفكرة في جوهرها مشروع وطن، لا مشروع نفوذ، ولا مشروع مصالح ضيقة أو امتيازات شخصية.
المؤلم أن جزءاً من القيادات والنخب التي تتحدث اليوم باسم الجنوب لم تعد تختلف حول رؤية وطنية واضحة أو برنامج سياسي جامع، بل بات الخلاف يدور حول من يقف خلفها ومن يدعمها. وكأن الجنوب تحوّل تدريجياً إلى ساحة تنافس نفوذ إقليمي، أكثر من كونه قضية شعب يبحث عن حقه في تقرير مصيره وصناعة مستقبله.
التاريخ يعلمنا أن الأوطان لا تُستعاد بالتبعية، وأن القضايا العادلة عندما تفقد استقلال قرارها تتحول مع الوقت إلى مجرد أوراق في يد الآخرين. وقد أثبتت تجارب الشعوب أن استقلال القرار الوطني هو الركيزة الأولى لأي مشروع تحرري حقيقي.
ليس عيباً أن تكون هناك علاقات خارجية أو دعم إقليمي ودولي، فمعظم حركات التحرر في العالم احتاجت إلى أصدقاء ومساندين. لكن العيب يبدأ عندما يتحول الدعم إلى وصاية، وعندما يفقد صاحب القضية قراره المستقل ويصبح تابعاً لإرادة الآخرين.
إن الجنوب أكبر من الأشخاص، وأكبر من الفصائل، وأكبر من الولاءات الضيقة. فالقضايا الوطنية لا يمكن أن تختزل في أسماء أو جماعات، بل تبقى مرتبطة بإرادة شعب يسعى إلى تحقيق تطلعاته في الحرية والكرامة وبناء الدولة.
وإذا لم يتم بناء مشروع وطني جنوبي مستقل وواضح المعالم، يقوم على رؤية سياسية جامعة ومصالح الناس الحقيقية، فإن الجنوب سيظل يدور في دائرة الصراع ذاتها؛ صراع لا يعيد وطناً ولا يبني دولة.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل جنوبي على نفسه اليوم بصدق ووضوح: هل ما نعيشه هو نضال من أجل وطن، أم صراع من أجل النفوذ؟