آخر تحديث :الجمعة-13 مارس 2026-11:10م

هل تنجح حكومة الزنداني في تحويل الشرعية من لافتة سياسية إلى نموذج اقتصادي؟

الجمعة - 13 مارس 2026 - الساعة 05:16 ص
هشام السامعي

بقلم: هشام السامعي
- ارشيف الكاتب


في لحظة فارقة من التحولات الجيوسياسية، صدر قرار تكليف الدكتور شائع الزنداني بتشكيل الحكومة الجديدة في لحظة لا تشبه سابقاتها من المنعطفات التي مرت بها البلاد خلال العقد الأخير، فبعيداً عن بروتوكولات التشكيل التقليدية، تجد هذه الحكومة نفسها أمام نافذة فرص تاريخية فُتحت بفعل تبدلات جيوسياسية عميقة محلياً واقليمياً وعالمياً، كما أنها تشكلت في ظل توحيد بوصلة القرار الإقليمي الداعم للشرعية بقيادة المملكة العربية السعودية، وهو ما يضع رئيس الوزراء أمام اختبار صناعة النموذج الجديد لا مجرد اختبار البقاء الوظيفي.


لقد عانت الحكومات السابقة من تشتت الولاءات وعراقيل خلقتها سلطات الأمر الواقع التي استنزفت الجهد في مناكفات سياسية ضيقة، زاد من حدتها تباين الرؤى بين الحلفاء الإقليميين في مراحل سابقة، فرضت على رؤسائ الحكومات السابقة الانشغال بشكل كبير في ترتيب خارطة النفوذ السياسي للحصول على مساحة أوسع في تنفيذ برامجها الحكومية، أما اليوم يبدو المشهد مختلفاً، حيث برزت المملكة العربية السعودية كقائد أوحد لدفة التحالف، معلنة دعماً متعدد المستويات وغير محدود، يهدف إلى تحويل اليمن من دولة تعيش أزمات متوالية إلى عمق استراتيجي وأمن قومي للجزيرة العربية برمتها، وهذا ما تقتضيه المتغيرات الجيوسياسية التي عاشتها المنطقة مؤخراً.


إن الميزة الكبرى التي يحملها د شائع الزنداني في تشكيلة حكومته اليوم، هي حرية اختيار أعضائها، فلأول مرة منذ سنوات نرى ملامح تشكيلاً وزارياً بعيداً عن المحاصصة الحزبية، متخفف من الضغوط التي كانت تفرضها مراكز القوى فيما مضى، هذا التحرر من قيود الأحزاب وسلطات الأمر الواقع يمنح الحكومة فرصة ذهبية للعمل كفريق تقني وفني يمتلك الإرادة والقرار، لا مجرد موظفين مرهونين لدى أجندات سياسية تفرضها عليهم القوى والأحزاب التي دعمتهم.


إن نجاح الحكومة في هذه المرحلة لا يُقاس بعدد اللقاءات والاجتماعات الحكومية، بل بقدرة الحكومة على خلق نماذج اقتصادية استرشادية ملموسة، كون الواقع اليوم يثبت بأنه لم يعد المواطن، ولا حتى الشريك الاستراتيجي، يكترث بوعود التعافي التي لا تحمل برنامجاً مزمناً قابلاً للقياس والمتابعة.


إن الواقع اليوم يفرض عدم الاكتفاء بالشرعية السياسية الممنوحة دولياً، بل بالانتقال الجذري نحو شرعية الإنجاز والتحول من دولة الاقتصاد الريعي والاستهلاكي إلى دولة تملك برنامج الاقتصاد الإنتاجي، هذا التحول هو الذي سينظر اليه المواطن والشركاء الإقليميين والدوليين بنظرة متفائلة وسيخلق واقعاً حيوياً يقوم على شرعية الإنجاز التي تُكتسب من الشارع عبر الاقتصاد. كما أنه في ظل الصراعات الكبرى التي تعصف بالمنطقة، لم يعد خلق نموذج اقتصادي قوي في اليمن خياراً محلياً، بل ضرورة للأمن القومي الخليجي، وهنا تكمن فرصة د شائع الزنداني في تسويق اليمن كمنصة إنتاجية آمنة وبديلة لسلاسل الإمداد الخليجية، فاليمن بموقعه المجاور لدول الخليج وثقله البشري، هو المؤهل ليكون المصنع الاحتياطي الذي يضمن تدفق الاحتياجات الطارئة لدول الجوار في حالات الأزمات الدولية، وهو ما يحتم على حكومة الدكتور شائع الزنداني، في هذه المرحلة المفصلية، البدء بتطوير استراتيجية شراكة جريئة وعميقة مع الأشقاء في المملكة العربية السعودية، تركز على الشراكة مع القطاع الخاص المحلي والسعودي والخليجي، وذلك من خلال ثلاث توجهات رئيسية:


1_البدء بتأسيس شركات المساهمة والمختلطة (حشد الاستثمار) يتجاوز هذا المسار النمط التقليدي للتمويل الحكومي المعتمد على القروض والمنح، ليركز على حشد رؤوس الأموال المحلية والمهاجرة وضخها في مشروعات البنية التحتية والخدمات الحيوية، مع الأخذ في الاعتبار حجم الأموال المحلية الضخمة المتكدسة خارج الدورة الاقتصادية الحقيقية، هذا الهدف سيعمل على إعادة توظيف الأموال المتكدسة في الخزائن الخاصة إلى شريك ممول ومستثمر في الاقتصاد الحقيقي للدولة، وسيحول القطاع الخاص من مموّل للجبايات إلى شريك في الربح والحماية، مما يخلق بيئة استثمارية صلبة تضمن استدامة المشاريع الاستراتيجية وتخفف العبء عن كاهل الموازنة العامة للدولة.


2_ التركيز على التصنيع والزراعة الحديثة (الاقتصاد المستدام) من خلال العمل على تحويل الثقل البشري "الذي كانت تستغله سلطات الأمر الواقع للضغط على الحكومات السابقة"، وكذلك المساحات الجغرافية الشاسعة في المحافظات المحررة إلى قواعد إمداد صناعية وزراعية تعتمد على التقنيات الحديثة في انجاز المهام. هذا التوجه سيعيد تموضع اليمن كشريك لوجستي وإنتاجي حيوي للسوقين اليمني والخليجي، محولاً الجغرافيا اليمنية من عبء أمني إلى مخزون استراتيجي يدعم سلاسل الإمداد الإقليمية في ظل المتغيرات الدولية.


3_ الحوكمة المؤسسية (عقلية الدولة المُمكّنة) ضرورة البدء بصورة عاجلة في اعتماد نماذج رقمنة المعاملات الاقتصادية لكسر مخالب البيروقراطية والفساد التي أفشلت الحكومات السابقة، لأن إعادة الثقة للمانحين والمستثمرين الدوليين تبدأ من بناء مؤسسات محوكمة تعتمد الأتمتة وتتسم بالشفافية والمرونة، وهذا يفرض على الحكومة أن تثبت قدرتها على إدارة الموارد والقطاعات الاقتصادية بعقلية رجل الأعمال الذي يبحث عن القيمة المضافة وتعظيم الأصول ويلتزم بالمسئولية المجتمعية، بدلاً من سلطة الجابي التي تستنزف النشاط الاقتصادي، كون الحوكمة هنا هي إحدى الضمانات الأساسية لتحويل الدعم الإقليمي والدولي إلى نجاحات مستدامة.


إن اليمن اليوم، وسط التوترات الإقليمية المتصاعدة، يمثل فرصة استراتيجية لدول الخليج بتحويله إلى قاعدة صناعية ولوجستية بديلة، آمنة ومستقرة، وإذا استطاع د شائع الزنداني وفريقه التقاط هذه الإشارات الجيوسياسية وتحويلها إلى واقع ملموس، ومشاريع على الأرض، فإنه سيكون قد نجح ليس فقط بترميم ما دمرته الحرب، بل يكون قد وضع حجر الأساس لليمن الجديد، يمن الإنتاج، والتحول الاقتصادي، والاندماج الكامل في منظومة الازدهار الخليجي.

إن الفرصة مواتية، في ظل الدعم السخي من الأشقاء في المملكة، والكرة الآن في ملعب حكومة التكنوقراط لتثبت للعالم أن الشرعية ليست مجرد لافتة سياسية، بل هي قدرة مؤسسية على البناء وفرض الإنجاز وصناعة المستقبل.



هشام السامعي