آخر تحديث :الأحد-22 مارس 2026-01:34ص

حين يُكسَر القلم… يسقط القناع

الجمعة - 13 مارس 2026 - الساعة 03:28 ص
د. محمد جمال عبدالناصر بن عبود

بقلم: د. محمد جمال عبدالناصر بن عبود
- ارشيف الكاتب


ما أقدم عليه مسلحو المجلس الانتقالي من اقتحام وتكسير مكاتب صحيفة عدن الغد ليس حادثة عابرة ولا فعلًا معزولًا، بل هو تعبير فجّ عن عقلية لا تؤمن بالكلمة، ولا تحتمل الرأي، ولا تعرف من السياسة سوى البطش، ومن السلطة سوى القمع.

إن الاعتداء على مؤسسة صحفية مدنية، وتخريب محتوياتها، وبث الرعب في نفوس العاملين فيها، هو فعل إجرامي مكتمل الأركان، وجريمة صريحة ضد حرية التعبير، وضد القيم التي تدّعي هذه المليشيا زورًا الدفاع عنها. فالأقلام لا تُكسَر، والأفكار لا تُهشَّم، والصحافة لا تُهزَم بالعصي والتهديد.

لقد توهّم المعتدون أن تكسير المكاتب سيُسكت الأصوات، وأن التخريب سيوقف الفكر المنبثق من رحم الكرامة والإباء، لكنهم تناسوا – أو جهلوا – أن الصحافة ليست جدرانًا ولا أجهزة، بل ضمير حي، وأن “عدن الغد” لم تكن يومًا مشروع ارتزاق، ولا منبرًا مأجورًا، بل صوتًا مستقلًا دفع ثمن صدقه، ولا يزال.

إن ما جرى هو إرهاب حقيقي، لا يقل خطورة عن أي عمل مسلح، لأنه يستهدف الوعي، ويصادر الحق، ويؤسس لحكم الغاب، حيث يُكمَّم الفم بدل أن يُحاوَر، ويُكسَر القلم بدل أن يُواجَه بالحجة. وهو في الوقت ذاته فضحٌ أخلاقي وسياسي لمن يمارسونه، وكشفٌ لسقوطهم في أول اختبار لاحترام التعدد والرأي الآخر.

وعليه، فإن الصمت عن هذه الجريمة يُعد تواطؤًا، والتغاضي عنها مشاركة ضمنية في قمع الحريات. إننا نُحمّل المجلس الانتقالي كامل المسؤولية السياسية والقانونية عن هذا الاعتداء، ونطالب بمحاسبة المتورطين فيه دون استثناء، ورد الاعتبار للصحيفة والعاملين فيها، وضمان عدم تكرار مثل هذه الانتهاكات.

ستبقى الكلمة الحرة أقوى من الهراوات، وسيظل القلم أنقى من أي مشروع قائم على الخوف والانتقام. أما الذين ظنّوا أن الخراب طريقهم لإسكات الحقيقة، فقد كتبوا – بأيديهم – شهادة إدانتهم أمام التاريخ.



بقلم د. محمد جمال عبدالناصر بن عبود