آخر تحديث :الخميس-12 مارس 2026-10:57م

المشهد الجنوبي وتحول السلفية

الخميس - 12 مارس 2026 - الساعة 09:11 م
احمد سالم فضل

بقلم: احمد سالم فضل
- ارشيف الكاتب


لم يعد ممكنًا قراءة ما يجري في الجنوب بمعزل عن السياق الإقليمي الذي أصبح لاعبًا مؤثرًا في تشكيل ملامح المشهد السياسي والعسكري. فالتطورات الأخيرة تفرض على القوى السياسية والنخب الفكرية، وكذلك مختلف شرائح المجتمع، أن تطرح سؤالًا جوهريًا وصريحًا: ماذا يريد الإقليم من اليمن عمومًا، ومن الجنوب خصوصًا؟ وما طبيعة المصالح التي تدفع بعض القوى الإقليمية إلى دعم تحولات فكرية وتنظيمية تنقل جماعات ذات منطلق دعوي وديني إلى فضاء السلطة العسكرية والسياسية؟

إن هذا التحول ليس مجرد تطور طبيعي في مسار جماعة دينية أو دعوية، بل يبدو في كثير من الأحيان نتيجة هندسة سياسية تهدف إلى إعادة تشكيل موازين القوى داخل المجتمع الجنوبي. فالجماعات التي نشأت تاريخيًا في إطار العمل الدعوي والتربوي، حين يتم الدفع بها إلى موقع الحاكم أو الفاعل العسكري، فإن ذلك لا يغير طبيعة دورها فحسب، بل يعيد صياغة المعادلة السياسية والاجتماعية برمتها.

وفي واقع يعاني أصلًا من شلل سياسي وتآكل مؤسسات الدولة، فإن إدخال قوى جديدة إلى المشهد عبر الدعم الخارجي لا يؤدي بالضرورة إلى تحقيق الاستقرار، بل قد يساهم في تعميق الأزمات وإعادة إنتاج الصراع. فبدلًا من فتح المجال أمام التعددية السياسية الطبيعية، يجري أحيانًا تضييق المساحة أمام القوى السياسية التقليدية، وإضعاف الحياة الحزبية، وخلق واقع تتصدره قوى مسلحة أو تيارات أيديولوجية لم تتشكل عبر تطور سياسي طبيعي داخل المجتمع.

لقد عُرف المجتمع الجنوبي تاريخيًا بقدر كبير من الاعتدال والوسطية والتنوع الاجتماعي والسياسي، وكانت قواه السياسية، رغم خلافاتها، تعبر في الغالب عن توازنات المجتمع وتقاليده. لكن محاولات صناعة تيارات سياسية أو عسكرية بدعم خارجي غالبًا ما تتجاهل هذه الخصوصية، فتخلق كيانات تبدو قوية في ظاهرها لكنها تفتقر إلى الجذور الاجتماعية العميقة التي تمنحها الاستمرارية والشرعية.

والتجارب القريبة في المنطقة واليمن تحديدًا تقدم شواهد واضحة على أن القوى المصنوعة خارج السياق الوطني قد تحقق نفوذًا مؤقتًا، لكنها نادرًا ما تستطيع بناء استقرار طويل الأمد. فالمجتمعات لا تُدار عبر هندسة فوقية أو عبر فرض نماذج جاهزة، بل عبر تراكم سياسي واجتماعي طبيعي يحترم طبيعة المجتمع وتوازناته.

وقد شهد العقد الماضي نماذج متعددة من الكيانات التي نشأت في ظل ظروف استثنائية وبفعل تدخلات خارجية، لكنها ما لبثت أن دخلت في صراعات داخلية أو تعرضت للتفكك حين تغيرت موازين القوى أو تبدلت أولويات الداعمين. وهذا يؤكد أن الاستقرار الحقيقي لا يُصنع عبر الكانتونات أو عبر القوى المؤقتة، بل عبر مشروع سياسي جامع يستند إلى إرادة المجتمع نفسه.

إن الرسالة التي ينبغي استيعابها اليوم هي أن صناعة عدم الاستقرار ليست سياسة قابلة للاستدامة. فالتاريخ يثبت أن المجتمعات، مهما طال بها الزمن تحت وطأة الأزمات، تمتلك قدرة كامنة على استعادة توازنها. وكل محاولة لإدارة الأزمات بدل حلها، أو لتغذية الانقسامات بدل معالجتها، ستعود في النهاية بنتائج عكسية على صانعيها قبل غيرهم.

ومن هنا فإن الجنوب اليوم بحاجة إلى رؤية سياسية مسؤولة تضع مصلحة المجتمع فوق حسابات النفوذ والصراع، وتعيد الاعتبار للعمل السياسي المدني، وتفتح المجال أمام جميع القوى للتعبير عن نفسها ضمن إطار وطني جامع. فاستقرار الجنوب لا يمكن أن يتحقق عبر إعادة إنتاج أدوات الصراع، بل عبر بناء عقد سياسي يعكس إرادة أبنائه ويحترم خصوصية مجتمعهم وتاريخه.

إن ما يجري اليوم من تحولات وأحداث ينبغي أن يُقرأ بوعي ومسؤولية، لا بوصفه صراع قوى عابرًا فحسب، بل باعتباره امتحانًا حقيقيًا لقدرة المجتمع والقوى السياسية على حماية توازنه واستقلال قراره. فالأوطان التي تُدار بإرادة أبنائها تبقى، أما تلك التي تُصنع خرائطها في غرف الآخرين فمصيرها دائمًا إلى التبدل والزوال.