لا تنبع التبعية المقيتة، مهما اختلفت مبرراتها، إلا من عقولٍ اعتادت الاستعباد وطبّعت الهوان حتى صار سلوكاً يومياً. فرفع علمٍ أو صورٍ لغير بلدك داخل بلدك ليس شكراً ولا امتناناً، بل إذلالٌ صريح وتبعيةٌ انقيادية تُفرغ الهوية من معناها. ولو افترضنا العكس، ورفع يمني علم بلاده في شوارع دولهم خارج الأطر الرسمية، فهل كان سيُعفى من العقاب أو يُنظر إليه بوصفه فعلاً مشروعاً؟ الجواب معروف، ويكفي وحده لفضح ازدواجية المعايير التي يُراد لنا تقبّلها.
إن الشكر لا يكون بطمس الوطنية ولا بإزاحة الرمز الجامع، بل يكون بالبيان الواضح، والموقف الصريح، والاعتراف المتزن ضمن سياقٍ يحفظ السيادة والكرامة. الشكر الحقيقي يُمنح لمن لم يقترف سوءاً بحق البلد، لا لمن كانت له يدٌ – ظاهرة أو مستترة – فيما آل إليه حال اليمن، مهما تغيّرت الأقنعة وتبدّلت الوجوه. فالأوطان لا تُدار بالعواطف، ولا تُقاس العلاقات الدولية بمساحات الأعلام المرفوعة في الساحات، بل بمدى احترام كل طرف لسيادة الآخر وحدود رمزيته الوطنية.
القانون اليمني من حيث المبدأ لا يترك هذا الباب مفتوحاً للفوضى. فالتشريعات النافذة، وفي مقدمتها قانون الجرائم والعقوبات، تجرّم الأفعال التي تمس سيادة الدولة أو تنتقص من اعتبارها المعنوي، وتعد العبث بالرموز الوطنية أو استبدالها في الفضاء العام بما يرمز لهيمنة خارجية مساساً بالنظام العام. كما أن القوانين المنظمة للفعاليات العامة تشترط تصاريح واضحة، ما يجعل رفع أعلام دول أخرى أو صور قادتها خارج الأطر الدبلوماسية المحددة مخالفة تستوجب المساءلة، لا عداءً لأحد، بل حمايةً للسيادة وحفظاً لهيبة الرمز الوطني.
ومن منظور علم الاجتماع، فإن هذه الظاهرة ليست حدثاً معزولاً، بل نتاج تراكمي لضعف الدولة وتفكك العقد الاجتماعي. حين تغيب الدولة بوصفها مرجعية جامعة، يبحث الأفراد والجماعات عن بدائل رمزية تمنحهم شعوراً مؤقتاً بالقوة أو الأمان. غير أن أخطر ما في هذا المسار هو تطبيعه اجتماعياً، إذ تنشأ أجيال ترى أعلام الآخرين مألوفة فوق أرضها، فتتآكل في وعيها قدسية الرمز الوطني، ويتحول الوطن من كيان جامع إلى ساحة نفوذ قابلة للتقاسم.
أما علم النفس فيقرأ هذه السلوكيات بوصفها تعبيراً عن الاستلاب والاغتراب الجمعي، حيث يتماهى الفرد مع “القوي” الخارجي تعويضاً عن شعور بالعجز وفقدان الثقة بالذات الوطنية. ومع الزمن يصبح رفع علم الآخر ممارسة لا واعية لجلد الذات، ومحاولة للهروب من واقع مأزوم عبر الاحتماء برموز لا تنتمي إلى الأرض ولا إلى التاريخ.
ولذا، فإننا نهيب برئاسة الدولة أن تضرب بيدٍ من حديد كل من تسوّل له نفسه إذلال اليمن بمثل هذه السلوكيات المشينة، وأن تُحرَّم هذه الممارسات تحريماً قاطعاً، مع إحالة مرتكبيها إلى القانون الجنائي وفق الدستور النافذ، دون تهاون أو انتقائية. فلا مساس بالسيادة من أي شخص، ولا تبرير لإهانة الرمز الوطني تحت أي ذريعة، فكرامة اليمن خط أحمر، وسيادته ليست محلاً للمجاملة أو المساومة.
بقلم د. محمد جمال عبدالناصر بن عبود