آخر تحديث :الثلاثاء-10 مارس 2026-01:39ص

من الزمن الجميل ..

الثلاثاء - 10 مارس 2026 - الساعة 12:29 ص
سلطان مشعل

بقلم: سلطان مشعل
- ارشيف الكاتب


حين تَعرض ذاكرة المرء مقاطعا من أطياف ذكريات في شاشة خياله فإنه حينها يصبح جميلاً وفق فلسفة " أبو ماضي" .

ومعروف أنه بتحديد زمن ومكان تلك الذكريات يرتفع منسوب الجمال ويَعقد الوجدان أشبه بـ مهرجان " كان" لأفلام الذكريات التي في معظمها سُجلت قبل " الألوان" وهنا نضع نموذجا من أحد تلك المشاهد الخالدة .

-الزمن : منتصف سبعينيات القرن الماضي .

-المكان : أبها عسير ؛ المملكة العربية السعودية .

-الفعالية : حفل فني أقامه المغتربون اليمنيون .

-المناسبة : زيارة أيوب طارش لـ أبها حينذاك .

-أهم فقرات الحفل : تقدم أحد المغتربين اليمنيين إلى المنصة وألقى قصاصة ورق بين يدي الفنان أيوب طارش وانسحب دون أن يُعَرف بإسمه وعاد ليغمر نفسه بين الجماهير .


أيوب طارش بدوره أخذ القصاصة واحتفظ بها إلى حين الاستراحة التي تخللت ذلك الحفل وحينئذ قرأ القصاصة وفجأة دمعت عيناه ثم أعاد قرائتها مرات .

كانت القصاصة تحمل الكلمات الآتية :

من سفح صنعاء ألف مليون سلام وفوقها مليون تحية.

خبيتها في العود من أرض سام جبا لكم مني هدية .

يا ابن اليمن جنب الحرم والمقام وفي الخبر و الناصرية . واخواننا أهل الوفا والذمم في هذه الارض الزكية .

جينا نحييكم بأحلى الكلام و نترك الدنيا شوية .

ونفرح الليلة بعيد الصيام ونلعب اليوم هوشلية .

ومن سهر يرتاح والا ينام لا الصبح ليلة حميرية .

نقول لكم يا مرحبا في الختام و يا هلا بالسامرية .


وبعد الاستراحة أطلقت حنجرة أيوب كلمات القصاصة في لحنٍ خالدٍ وشدوٍ رائدٍ موشح بالعبرات والتنهدات ووسط تفاعل مفعم بأشواق الغربة ومدعم بالحنين الجارف للوطن .

وماهي إلا أيام وإذا بتلك الكلمات تُردد في أرجاء اليمن بحنجرة أيوب وريشته في تناغم مع الطبيعة وجمالها وضمن تجسيد لعظمة اليمني ولحمته بأرضه وإنسانه .

وبالطبع لم يُدرج ذلك المغترب إسمه في نهاية الكلمات بتلك القصاصة ! ما ميز الأغنية تلك كونها الوحيدة بين أغاني الفنان الكبير أيوب طارش التي لا يُعرف صاحب كلماتها أو شاعرها !

ورغم ذلك بقي الخلود ممتزجاٍ بالذكريات وبقي اليمني ملتحماٍ بأرضه وبقيت روحه حيةً بوجدانه النابض .