في الأزمنة المضطربة، حين تتكاثر الضوضاء ويكثر المدّعون، تبقى الميادين وحدها قادرة على فرز الرجال. فالتاريخ العسكري، كما يعرفه أهل الخبرة، لا يكتبه أصحاب الشعارات العالية، بل أولئك الذين يتركون بصماتهم في لحظات الخطر، حيث تختبر الشجاعة ويُعرف معدن القادة.
في هذا السياق يبرز اسم عدنان محمد رزيق القميشي، أحد الضباط الذين تشكّلت ملامحهم القيادية في قلب المعركة، لا في ظلال المكاتب. رجلٌ عرفته الجبهات قبل أن تعرفه المنابر، وارتبط اسمه بسنواتٍ ثقيلة من تاريخ اليمن الحديث، حين كان الوطن يمرّ بأقسى اختباراته في مواجهة انقلاب الحوثيين ومحاولاتهم إخضاع الدولة والمجتمع.
لم يكن القميشي مجرد ضابطٍ يؤدي واجبه العسكري بالمعنى التقليدي، بل كان – كما يروي رفاق السلاح – نموذجاً لقائدٍ ميدانيٍ يفضّل أن يكون في مقدمة الصفوف لا خلفها. تلك الخصلة التي صنعت له مكانةً خاصة بين المقاتلين؛ فالقائد الذي يشارك جنوده الخطر ذاته، يكتسب احترامهم قبل طاعتهم.
منذ السنوات الأولى للحرب، حين اشتعلت جبهات الجنوب وارتفعت رايات المقاومة في عدن وامتدّ لهيب المواجهة إلى شبوة وتعز، كان القميشي حاضراً في المشهد الميداني. هناك، بين غبار المعارك وصخب المدافع، تشكّلت سمعته العسكرية؛ مقاتلاً صلباً لا يتراجع عند اشتداد الخطر، وقائداً يؤمن بأن الدفاع عن الأرض ليس شعاراً سياسياً بل واجباً وجودياً.
ولعلّ أكثر ما يميز مسيرته أنه لم ينفصل عن جذوره الاجتماعية. فالقميشي ابن بيئة قبلية عُرفت عبر التاريخ بصلابة مواقفها، حيث ما تزال القيم التقليدية – كالشرف والوفاء والنخوة – تشكّل جزءاً من منظومة السلوك العام. وفي هذا الإطار ظلّ مرتبطاً بمجتمعه، قريباً من الناس، متواضعاً في حضوره، بعيداً عن مظاهر الاستعراض التي غالباً ما ترافق المناصب العسكرية.
ومع مرور السنوات، وتراكم الخبرة القتالية والإدارية، تدرّج القميشي في مواقع المسؤولية داخل المؤسسة العسكرية، حتى بات اسمه ضمن القيادات التي يُعوّل عليها في لحظات التحوّل الكبرى. ولم يكن ذلك نتيجة ظرفٍ عابر، بل حصيلة مسار طويل من العمل والانضباط والتجربة.
اليوم، ومع صدور قرار تعيينه قائداً للفرقة الثالثة قوات درع الوطن، تتجه الأنظار مجدداً إلى هذا الضابط الذي اختارته الظروف ليكون جزءاً من مرحلة جديدة في مسار إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية.
إن مثل هذه المواقع القيادية لا تُمنح عادةً لمجرد الاعتبارات الشكلية، بل تأتي – في الغالب – تتويجاً لمسيرة من الخبرة والثقة الميدانية. فالقائد الذي تمرّ عليه الجبهات الصعبة، ويصمد في اللحظات الحرجة، يصبح في نظر المؤسسة العسكرية رصيداً لا غنى عنه.
ومن هنا، فإن تهنئة اللواء الركن عدنان القميشي بهذا الموقع ليست مجاملةً عابرة، بل اعترافٌ بمسيرة رجلٍ صنع مكانته بجهده، وكتب اسمه في صفحات المواجهة حين كانت البلاد بحاجة إلى من ينهض بمسؤولية الدفاع عنها.
غير أن المناصب، مهما علت، تظلّ في نهاية المطاف اختباراً جديداً لا محطة أخيرة. فالتحديات التي تواجه اليمن اليوم لا تقل صعوبة عن تلك التي عرفتها سنوات الحرب الأولى. وما تحتاجه البلاد – أكثر من أي وقت مضى – هو قيادات تجمع بين الحزم العسكري والرؤية الوطنية، وتضع مصلحة الدولة فوق كل اعتبار.
في هذا الإطار، تبدو المسؤولية الملقاة على عاتق القميشي وأمثاله من الضباط مسؤولية مضاعفة؛ مسؤولية ترسيخ قيم الانضباط داخل المؤسسة العسكرية، وتعزيز روح الوطنية الجامعة التي تتجاوز الانقسامات الضيقة.
وفي الختام، تبقى التحية واجبة لكل من حملوا عبء الدفاع عن اليمن في أكثر مراحله تعقيداً. كما تبقى التهنئة مستحقة للواء الركن عدنان محمد رزيق القميشي بمناسبة تعيينه قائداً للفرقة الثالثة قوات درع الوطن، مع التمنيات له بالتوفيق في أداء مهامه، وأن يكون حضوره في هذا الموقع إضافةً جديدة لمسيرة بناء جيشٍ وطنيٍ يحمي الدولة ويصون كرامة الشعب.
فالأوطان، في نهاية المطاف، لا تُصان بالكلمات وحدها… بل برجالٍ يعرفون كيف يقفون حين تتعثر البلاد.