آخر تحديث :الأحد-08 مارس 2026-01:04ص

هاني الحداد… سيرة كفاح انتهت بصعقةٍ هزت مدينة عتق بكاملها

السبت - 07 مارس 2026 - الساعة 10:13 م
عمر الحار

بقلم: عمر الحار
- ارشيف الكاتب


بقلم: عمر الحار


لم تكن مساءات حارة ذو النورين الغارقة في سكون لياليها، في مدينة عتق تعرف هذا القدر من الحزن من قبل…

حزنٌ ثقيل خيم على البيوت والوجوه، بعد أن خطف الموت واحدا من أنبل فتيانها، الشاب الخلوق هاني الحداد، العشريني العمر، المعيل الوحيد لأسرته، والوجه الذي عرفه الجميع بابتسامته الدافئة ويديه المتعبتين من أجل لقمة العيش.

منذ نعومة أظفاره، لم يعرف هاني طريق الراحة.

كبر سريعا قبل عمره، حاملا هم أسرته على كتفيه، كما يفعل كثير من أبناء اليمن الذين دفعتهم قسوة الحرب والفقر إلى ميادين العمل مبكرا. كان يومه يبدأ مع شروق الشمس، ولا ينتهي إلا بعد أن يطمئن أن متطلبات البيت قد توفرت.

لم يكن هاني صاحب مهنة واحدة، بل كان مدرسة في الكفاح.

فهو حداد ماهر، ونجار متقن، وسباك مجتهد، وشاب مليء بالحركة والنشاط. يتنقل من عمل إلى آخر، ومن ورشة إلى أخرى، باحثا عن رزق حلال يسد به جوع أسرته ويحفظ كرامتهم.

كان محبوبا من الجميع…

كل من عرفه يشهد بأخلاقه، وبطيب قلبه، وبحرصه على مساعدة الآخرين دون تردد.

لكن القدر كان يخبئ قصة موجعة.

في صباح يوم الخميس، توفي جد هاني من جهة أمه، ذلك الرجل الذي كان له سندا وملاذا في أوقات الشدة. تأثر هاني كثيرا برحيله، فقد كان يحبه حبا كبيرا. وهو من وجهات شبوة ومدينة عتق، الشخصية الاجتماعية المعروفة، المغفور له باذن الله، فرج الجلفوز. توافد الناس إلى مخيم العزاء بالمدينة. اجتمع الأقارب والأصدقاء لتقديم الواجب.

وسط ذلك الجمع، لمح هاني سلكا كهربائيا مجروحا في المخيم.

توقف لحظة… ونظر حوله إلى الناس المتواجدين، وخاف عليهم من خطره. وبحكم خبرته في مجال الكهرباء، قرر أن يصلحه سريعا حتى لا يتسبب بأذى لأحد.

لم يكن يعلم… أن تلك اللحظة ستكون آخر لحظات عمره.

مد يده لإصلاح السلك، فإذا بالكهرباء تصعقه فجأة.

وفي لحظة صمتٍ صادمة، تحولت أصوات العزاء إلى صرخات فاجعة… وسقط هاني أمام أعين الحاضرين مفارقا الحياة.

مات وهو يحاول حماية الآخرين.

رحل هاني في موقفٍ يشبهه تماما…

شابٌ عاش حياته يخدم الناس ويعمل لأجلهم، فكانت آخر لحظاته وهو يحاول إنقاذهم.

يا لها من مفارقة موجعة…

في الصباح دفن الجد، وفي المساء لحق به حفيده.

وفي يوم الجمعة، شيعت المدينة شابها الطيب، وامتلأت القلوب بالحزن، وبكت الحارة التي عرفت خطواته وسعيه وكفاحه.

رحل هاني الحداد، ورحل معه الحلم المبارك، باقامة مأدبة رمضانية لاهالي الحارة، اوخر الشهر الكريم.

رحل هاني الحداد، لكن سيرته لن ترحل.

سيبقى في ذاكرة الناس مثالا للشاب المكافح، والابن البار، والإنسان الذي مات وهو يفعل الخير.

رحمك الله يا هاني…

نم قرير العين، فقد أبكيت القلوب، وتركت خلفك قصة إنسانية لن ينساها أهالي مدينة عتق.