آخر تحديث :الأحد-08 مارس 2026-01:05ص

كِبْرْياءُ الأغلالِ: فِي حَضْرَةِ اليَمَانِيّ الأوّلِ:

السبت - 07 مارس 2026 - الساعة 06:46 م
د. مجيب الرحمن الوصابي

بقلم: د. مجيب الرحمن الوصابي
- ارشيف الكاتب



أتأمّلُ بيت عبد يغوث المذحجي/ اليماني، فلا أرى شاعرًا

مكسورًا يرسفُ في أغلاله، إنّما ألمحُ ولادةً قيصرية لهُويّةٍ صُبغت بدم الأنفة قبل أن توثّق بمداد المؤرِّخين وترسخ في إكليلهم.


"وِتَضْحِكُ مِنّي شيخةٌ عبشميةٌ... كَأنْ لَمْ ترَ قَبْلِيْ أَسِيْرِاً يَمَانِيا"



في هذا الشطر الحزين، تختبئُ مأساة "الذات

" اليمنية في مواجهة "الآخر" المُستعلي. إن ضحكة تلك العبشمية القرشية لم تكن قط مجرد شماتة عابرة بمحاربٍ مهزوم، بل كانت صدمةً وجودية أمام انكسار صورةٍ ذهنيةٍ وقرت في مخيال العرب لقرون:


صورة اليماني الذي لا يُرى إلا ملكًا أو قيلًا أو صاحب سيادة.


ما يهزّني في هذا النص هو ذلك "الانزياح الشعوري" المذهل؛ ففي اللحظة التي تبلغ فيها الروح الحلقوم، ويضيقُ أفق الحياة حتى

لا يسع إلا صرخة استغاثة بالقبيلة، نجد عبد يغوث يتسامى فوق "مذحجيّته" ليعلن انتماءه الكلّي المطلق: (يمانياً) ( يمانيا) يمانيا. وكأنه يدرك بحدسٍ سياسيٍّ مبكِّر أن معركته ليست معركة عشائر أو دوائر ضيقه، بل هي صدامُ مركزياتٍ حضارية. لم يقل "أسيراً مذحجياً"، بل آثر "اليمانية" ليمنح قيده صبغةً سيادية، وليقول لتلك الضحكة العبشمية إن ما ترينه مصفَّداً أمامكِ ليس مجرد رجل:


بَلْ هًو رمزٌ لجنوبٍ عظيمٍ طالما تهيّبت منه الوديان والقفار والممالك والأمم؛ واليوم صاغر ذليل!.. اليوم صاغر ذليل..


أجدني-وأخال نفسي اليماني الأول والأخير ولتعذروني-هنا منحازاً لأطروحة (النِّدّيّة) التي تشعّ من القصيدة؛ فاليمن في وعي عبد يغوث ليست جهةً جغرافية يحددها مطلع الشمس أو مغربها، إنما كانت/ وستظلّ "هُويّةً جامعة" نضجت في الضمير قبل أن يصيغها النّسّابة ف

ي قوالب "قحطان" اللاحقة. إنها الهوية التي تستشعرُ ثقل تاريخها في أحلك لحظات الضعف.


وحين يوثق الشاعر دهشة تلك المرأة، فهو يوثق في الحقيقة "عالمية/ كونية" المسمّى اليماني؛ فلو لم يكن لهذا الاسم وقار الملوك وهيبة الممالك، لما صار أسْر صاحبه حدثاً استثنائيًّا "مدهشاً" يستوجب الضحك الصّاخب في قلب النُّخبة القرشية الصاعدة.


هذا البيت، في تقديري، هو البذرة الأولى لخطاب "الممانعة" الذي تفتّقت عنه لاحقاً "دامغة" الهمداني. هو الخيط الرفيع الذي يربط بين عزة ملوك حمير وكبرياء إنسان هذه الأرض اليوم. فاليمني، في أوج انكساره السياسي أو العسكري، يظل مسكوناً بيقينٍ غريبٍ بتميُّزه، يقينٍ يجعل من القيد مجرد زينةٍ ثقيلة لا تنال من "يمانيّته" شيئاً.

إنها دراما الوجود التي تجعل من الأسير نِدًّا، ومن الضحكة اعترافًا بفضلٍ لا يُنكر، لتظل "اليمانية" هي المبتدأ والمنتهى في صراع البقاء فوق هذه الهضبة التاريخية المُنهكة!


مجيب الرحمن الوصابي