آخر تحديث :الأحد-16 أغسطس 2026-11:14ص

تذكرة مختصرة في الجُوْدِ فِي رَمَضَانَ

الجمعة - 06 مارس 2026 - الساعة 09:08 م
جلال ناصر المارمي



روى البخاريُّ و مسلمٌ في الصحيحين، و اللفظ للبخاري، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (*كان رسول الله صلى الله عليه و سلم أجودَ الناس، و كان أجودُ ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، و كان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسولُ الله صلى الله عليه و سلم أجودُ بالخير من الريح المرسلة*).

قال المزني رحمه الله في مختصر المزني: (قال الشافعي: و أحب للرجل الزيادةَ بالجود في شهر رمضان، اقتداءً به (يعني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم)، و لحاجة النّاس فيه إلى مصالحهم، و لتشاغل كثير منهم بالصوم و الصلاة عن مكاسبهم).

و قال ابن الجوزي رحمه الله في كشف المشكل: (و إنما كثر جوده عليه السلام في رمضان لخمسة أشياء: أحدها: أنه شهر فاضل، و ثواب الصدقة يتضاعف فيه، و كذلك العبادات.

و الثاني: أنه شهر الصوم، فإعطاءُ الناسِ إعانةٌ لهم على الفطر و السحور.

و الثالث: أن إنعامَ الحقِّ يكثر فيه، فأحبَّ الرسولُ صلى الله عليه و سلم أن يوافق ربَّه عز و جل في الكرم.

و الرابع: أن كثرة الجود، كالشكر لترداد جبريل عليه السلام إليه في كل ليلة.

و الخامس: أنه لمَّا كان يدارسه القرآن في كل ليلة من رمضان، زادت معاينتُه الآخرةَ، فأخرج ما في يديه من الدنيا). انتهى كلامه رحمه الله، بتصرف يسير مني.

و ذكر ابن رجب رحمه الله في لطائف المعارف (أن في تضاعف جوده صلى الله عليه و سلم في شهر رمضان بخصوصه فوائد كثيرة:

منها: شرف الزمان و المكان، و مضاعفة أجر العمل فيه.

و منها: إعانة الصائمين، و القائمين، و الذاكرين، على طاعتهم، فيستوجب المعين لهم مثل أجرهم.

و منها: أن شهر رمضان، شهر يجود الله فيه على عباده بالرحمة، و المغفرة، و العتق من النار، لا سيما في ليلة القدر، و الله تعالى يرحم من عباده الرحماء، كما قال صلى الله عليه و سلم: (*إنما يرحم الله من عباده الرحماء*)، فمن جاد على عباد الله، جاد الله عليه بالعطاء، و الفضل، و الجزاء من جنس العمل.

و منها: أن الجمع بين الصيام و الصدقة، من موجبات الجنة، كما في حديث علي رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: (*إن في الجنة غرفاً، يُرى ظهورها من بطونها، و بطونها من ظهورها. قالوا: لمن هي يا رسول الله؟ قال: لمن طيب الكلام، و أطعم الطعام، و أدام الصيام، و صلى بالليل و الناس نيام*). و هذه الخصال كلها، تكون في رمضان، فيجتمع فيه للمؤمن، الصيام، و القيام، و الصدقة، و طيب الكلام، فإنه يُنهى فيه الصائم عن اللغو، و الرفث.

و الصيام، و الصلاة، و الصدقة، توصل صاحبها إلى الله عز و جل.

و منها: أن الجمع بين الصيام، و الصدقة، أبلغ في تكفير الخطايا، و اتقاء جهنم، و المباعدة عنها، خصوصاً إن ضُم إلى ذلك قيام الليل.

و منها: أن الصيام، لا بد أن يقع فيه خلل، أو نقص، فالصدقة تجبر ما فيه من النقص، و الخلل.

و منها: أن الصائم يدع طعامه، و شرابه لله، فإذا أعان الصائمين على التقوِّي على طعامهم، و شرابهم، كان بمنزلة من ترك شهوة لله، و آثر بها، أو واسى منها.

و ذكر كلاماً مفيداً نافعاً، ممتعاً ماتعاً، و إنما اختصرته اختصاراً ينفي عنه الخلل و الملل، بتوفيق الله عز و جل.

و قال المناوي رحمه الله في فيض القدير: (و لهذا كان المصطفى صلى الله عليه و سلم أجودَ ما يكون في رمضان، و ذلك لأن الله تعالى وضع رمضان لإفاضة الرحمة على عباده أضعاف ما يفيضها في غيره، فكانت الصدقة فيه أفضل ثواباً منها في غيره).


قلتُ: فرحم الله عبداً سَدَّ ثغراً، و أضحك ثغراً، و أقام عثراً، و مسح عبراً، و خَفَّفَ فقراً، و أزال قهراً.


و أختم هذه التذكرة المختصرة فأقول:

يا باغي الخير هذا شهر مكرمة *** أنفق بجودٍ جزاك الله إحساناً


أنفق بجودٍ و لا تبخل بزائلةٍ *** و اجعل يمينك للنفقات عنواناً


اللهم انفعنا بالموعظة، و اجعلها للقلوب موقظة، و الحمد لله رب العالمين.


كتبه: أبو الحسن جلال بن ناصر المارمي.