في الوقت الذي تعلن فيه السلطة المحلية بمحافظة المهرة عن تحقيق إيرادات قياسية في منفذ شحن البري تجاوزت 208 مليار و719 مليون ريال يمني خلال عام 2025م، يعيش أبناء المحافظة واقعاً معيشياً مأساوياً، إذ يستقبلون شهر رمضان ببيوت خاوية وخدمات منهارة، في تناقض صارخ يطرح السؤال الأكثر إلحاحاً: أين تذهب أموال المهرة؟
وكشف المركز الإعلامي للسلطة المحلية بالمهرة عن تحقيق جمرك ميناء شحن البري قفزة في الإيرادات خلال العام الماضي، بلغت 208,719,027,953 ريالاً، بنسبة زيادة وصلت إلى 42.9% مقارنة بالربط السنوي المعتمد .
هذا الرقم الضخم، الذي يعادل قرابة 509 مليون ريال سعودي، كان يمكن أن يشكل نقطة تحول في مسيرة التنمية بالمحافظة، لو أنه أنفق فيما يخدم المواطن.
غير أن الواقع الميداني يرسم صورة مغايرة تماماً.
ففي الوقت الذي تصل فيه الكهرباء إلى المواطنين 6 ساعات فقط يومياً بعد أن كانت تصل إلى 22 ساعة سابقاً ، وتعاني الطرق الرئيسية من تهالك شديد، وتكاد المستشفيات تخلو من أبسط مقومات الرعاية الصحية، تتزايد التساؤلات حول مصير هذه المليارات.
ويقول مواطنون محافظة المهرة لـ"عدن الغد" إنهم استقبلوا شهر رمضان المبارك بمرارة، حيث المرتبات منقطعة والمتعاقدون يعانون الأمرّين، والمياه شحيحة، والمستشفيات تفتقر للحد الأدنى من الخدمات.
وأحد أبناء المحافظة قال في منشور مؤثر: "استقبلوا شهر رمضان وبيوتهم خاوية إلا من عزة النفس والتعفف" .
ويضيف آخر: "الطرق مكسرة، وشبكات الكهرباء مهترئة، ووقود التشغيل يصلنا مكرمات من الشقيقة الكبرى المملكة العربية السعودية، فأين تذهب موارد المحافظة؟".
لكن السؤال عن مصير الإيرادات لا يقف عند حدود الخدمات، بل يمتد إلى اتهامات أكثر خطورة تطال قيادة السلطة المحلية ذاتها.
فوفقاً لتقارير صحافية محلية، يواجه محافظ المهرة اتهامات بـ"التحايل" على قرارات الحكومة الشرعية، وتحديداً القرار الرئاسي رقم 11 لسنة 2025م، الذي يقضي بتوريد كل عوائد مؤسسات الدولة إلى البنك المركزي اليمني في عدن .
مصادر محلية أكدت أن السلطة المحلية بالمحافظة متهمة بالتواطؤ مع "شبكات المال الأسود" لتحويل أموال الجمارك والنفط إلى بنوك في عمان ودبي، بعيداً عن الخزينة العامة للدولة، مما يضع جدية برنامج الإصلاح الاقتصادي للحكومة على المحك،
تأتي هذه الاتهامات في سياق وطني يائس، حيث كشف تقرير منظمة الشفافية الدولية للعام 2025 عن وضع اليمن في المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد، مما يضع البلاد ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد في القطاع العام .
التقرير الدولي أرجع ذلك إلى "تواصل الصراع وتفشي الفساد بشكل مرعب في مفاصل القطاع العام، مع وصوله إلى ذروته خلال العام الماضي 2025، وسط التوسع الحاصل في عقود شراء الطاقة، وسرقة النفط، وخروج إيرادات الموانئ والجمارك عن سيطرة الحكومة" ، وهو وصف دقيق لما يحدث في المهرة.
المفارقة الأكثر إيلاماً أن محافظة تمتلك منفذاً برياً استراتيجياً يحقق هذه المليارات، لا تزال تعتمد على الدعم السعودي لتأمين وقود تشغيل محطات الكهرباء ، في وقت تتبخر فيه إيراداتها في حسابات خاصة وعمليات تهريب خارجية.
أبناء المهرة، الذين يؤكدون أنهم "لا يطلبون المستحيل"، يوجهون سؤالاً مباشراً لقيادة سلطتهم المحلية: أين تذهب أموالنا؟ ومن يحاسب المختلسين والمتكسبين والمتفيدين والمقصرين؟ .
وبينما تتجاوز إيرادات المهرة 208 مليار ريال في عام واحد من منفذ وحيد، يبقى المواطن المهري تحت خط الفقر، يعاني انقطاع الكهرباء وغلاء الأسعار وتردي الخدمات، في مشهد يعكس أزمة دولة بأكملها، حيث تصبح المليارات مجرد أرقام على ورق، وحياة الناس هي الثمن الأغلى في معادلة الفساد والإفلات من العقاب.