أوروبا وطبول الحرب: بين التبعية الاستراتيجية ورهانات البقاء والاقتصاد
أوروبا وطبول الحرب: بين التبعية الاستراتيجية ورهانات البقاء والاقتصاد
ابوبكر باذيب
يبدو ان فاتورة الحروب الباهظة، وتداعياتها الاقتصادية والسياسية وتاثيراتها الامنية والعسكرية باتت حملاً لابد ان تتحمله وتدفعه الدول الاوروبية، في كل حالات الحياد والرفض والمشاركة، فالقارة الأوروبية لم تتدارك بعد تبعات الحرب الروسية الاوكرانية وتاثيراتها الوجودية على المستوى السياسي والاقتصادي، الا وفرض عليها التبعية للاهداف الامريكية تجاه الحرب على ايران.
وهذا ما ادخل القارة العجوز بحسب الخبراء المرحلة الأكثر حرجاً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث وجدت العواصم الكبرى نفسها أمام “فوهة البركان” الإيراني. لم تعد المسألة تتعلق بمفاوضات نووية أو تبعات دبلوماسية، بل انتقلت إلى مواجهة عسكرية مباشرة وضعت “القارة العجوز” أمام اختبار لإرادتها السياسية لا يقبل السقوط أو الحياد ويضع قدرتها على محك القياس “الترامبي” بالقسوة الفجة سياسيا، والاخضاع الاقتصادي، والتبعية العسكرية.
التحول من “الوسيط” إلى “الطرف”
تخلّت أوروبا، ولا سيما فرنسا وألمانيا وبريطانيا، عن موقع «الوسيط» لتتبنّى نهج «الردع المشترك». ويعكس هذا التحوّل قناعة أوروبية متنامية بأن التهديد الإيراني لم يعد محصورًا في الإطار الإقليمي، بل بات يطال العمق الأمني للقارة، خصوصًا مع تنامي الشراكات العسكرية العابرة للحدود. غير أنّ التردّد البريطاني وإعادة تقييم كلفة الحروب السابقة أثارا استياء الرئيس الأميركي، الذي لم يتوانَ عن إطلاق تحذير دبلوماسي حاد والتلويح بإعادة النظر في متانة التحالف الأنجلوسكسوني التاريخي.
“زلزال الطاقة” والتضخم
هذه التداعيات لايمكن اغفالها عن البعد الاقتصادي وهو الهاجس الأكبر لصناع القرار في بروكسل؛ فالحرب على إيران ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل هي تهديد مباشر لشرايين الاقتصاد الأوروبي، حيث يخشى الخبراء من وصول سعر برميل النفط إلى عتبة الـ 150 دولاراً في حال تعطلت الملاحة في مضيق هرمز. هذا الارتفاع سيعيد أوروبا إلى حقبة “الركود التضخمي”، مما يهدد بانهيار صناعي في دول كألمانيا.
ويعيق سلاسل التوريد حيث أي اضطراب في الخليج العربي يعني تأخراً حاداً في وصول السلع والمواد الخام من آسيا، ما سيؤدي إلى ارتفاع جنوني في أسعار المواد الأساسية داخل الأسواق الأوروبية.
السيناريوهات المتوقعة للتوجه الأوروبي
تتحرك السياسة الأوروبية حالياً ضمن ثلاثة مسارات محتملة:
السيناريو الأول: “الجراحة الخاطفة” (المرجح أوروبياً): دعم ضربات مركزة تستهدف المنشآت العسكرية الإيرانية فقط، مع ممارسة ضغط دبلوماسي هائل لمنع طهران من الرد عبر إغلاق المضايق. الهدف هنا هو “تغيير السلوك لا النظام” لتجنب الفوضى الشاملة.
السيناريو الثاني: “حرب الاستنزاف الطويلة”: انزلاق المنطقة إلى صراع ممتد، وهو الكابوس الأوروبي الأكبر. في هذا السيناريو، ستضطر الدول الأوروبية للانخراط عسكرياً بشكل مباشر (عبر البحرية) لحماية ناقلات النفط، مما قد يجر القارة إلى مواجهة مباشرة مع حلفاء طهران الدوليين.
السيناريو الثالث: “الاحتواء الدبلوماسي تحت النار”:أن تنجح أوروبا في قيادة وساطة “اللحظة الأخيرة” لفرض منطقة عازلة أو اتفاق وقف إطلاق نار مؤقت يحمي ممرات الطاقة مقابل تخفيف بعض العقوبات العسكرية، وهو مسار تضعف فرص نجاحه مع تصاعد حدة الضربات المتبادلة.
في المحصلة باتت الإرادة الأوروبية على المحك، بين التبعية وهذا هو المتاح، وبين إرادة “المضطر لا المختار”. فبين طموحات الردع ومخاوف الانهيار الاقتصادي، تسير أوروبا على حبل مشدود، مدركة أن نتائج هذه الحرب لن ترسم خارطة الشرق الأوسط فحسب، بل ستحدد ما إذا كانت القارة ستظل قطباً اقتصادياً عالمياً أم ستغرق في أزمة وقود وتضخم كبير لأمد طويل