إيران ليست دولة طارئة في التاريخ، ولا كيانًا هشًّا يمكن أن يسقط بقرارٍ عسكري عابر أو حصارٍ اقتصادي مؤقت. إنها دولة ذات عمق حضاري، وجغرافيا مترامية، وسكان يتجاوزون الثمانين مليونًا. قد نختلف جذريًا مع سياساتها، بل وقد نعارضها بشدة في ملفات عربية حساسة، لكن تحويل الخلاف السياسي إلى وهم الانهيار السريع ليس تحليلًا، بل تمنٍّ عاطفي لا يسنده منطق.
الحديث عن سقوط إيران “في ليلة وضحاها” تبسيطٌ مخلّ. دول بهذا الحجم لا تنهار فجأة، وإن اهتزّت. ومن يعتقد أن انهيارها – إن حدث – سيصبّ تلقائيًا في مصلحة العرب، يتجاهل دروس التاريخ القريب: الفراغات الكبرى في الإقليم لا تبقى فراغًا؛ تملؤها الفوضى، أو تتقاسمها القوى الكبرى، أو تتحول إلى ساحات صراع مفتوح يدفع الجوار ثمنه قبل غيره.
المسألة ليست حبًا في سياسات طهران ولا دفاعًا عنها، بل قراءة باردة لموازين القوى. في الخليج، حيث تتمركز قواعد عسكرية أمريكية، يصبح أي قرار بالانخراط المباشر في مواجهة شاملة مقامرةً بأمن المنطقة بأسرها. النار إن اشتعلت لن تتوقف عند حدود دولة بعينها، والممرات البحرية وأسواق الطاقة ستكون أول المتأثرين، والعواصم الخليجية في مرمى الارتدادات السياسية والأمنية والاقتصادية.
ليس من الحكمة أن يتحول الخليج إلى منصة اشتباك. الأجدى أن يتحمل قدرًا من الضغط السياسي والاقتصادي بدل أن يدفع ثمن مواجهة مفتوحة. المنطقة لا تحتمل حربًا كبرى جديدة، والعرب – بواقعهم الراهن – ليسوا في موقع يسمح لهم بخوض معركة وجودية نيابةً عن حسابات دولية متغيرة.
في المقابل، ثمة حقيقة مُرّة ينبغي الاعتراف بها: العالم لا يحترم الضعفاء. التشرذم العربي هو الثغرة الأكبر في جسد الأمن القومي. نحن نتعامل مع التحديات كدول متفرقة، لكلٍّ حساباته الضيقة، بينما تتعامل القوى الإقليمية والدولية بعقل استراتيجي طويل النفس.
الضمانة الوحيدة الحقيقية ليست في الاصطفاف مع هذه القوة أو تلك، بل في بناء قوة ذاتية. تخيّلوا لو أن دول الجزيرة العربية – بثقلها الجغرافي، وعمقها الديمغرافي، ومواردها الهائلة – تحولت إلى اتحاد حقيقي، سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا. اتحادٌ يتجاوز التنسيق الشكلي إلى مشروع تكاملي ملزم. عندها فقط يصبح القرار عربيًا خالصًا، لا ردّ فعل على صراع الآخرين.
الفكرة ليست طوباوية. لقد أثبتت تجارب الاتحادات الإقليمية في العالم أن المصالح المشتركة تصنع قوة تفاوضية هائلة. في عالمٍ تحكمه التكتلات، تبقى الدول الصغيرة – مهما امتلكت من ثروة – محدودة التأثير إذا لم تتحول إلى كيانٍ أكبر.
إن المنطقة أمام مفترق طرق: إما أن تبقى ساحةً لتصفية الحسابات، أو أن تعيد تعريف أمنها بعيدًا عن منطق الاستقطاب الحاد. العداء المطلق لا يصنع استقرارًا، والمواجهة المفتوحة لا تضمن نصرًا نظيفًا. ما يضمن المستقبل هو عقلانية القرار، وتغليب منطق الدولة على منطق اللحظة، والعمل الجاد نحو مشروع عربي جامع يخرجنا من دائرة الارتهان.
لسنا مطالبين بأن نُحبّ إيران، ولا بأن نثق بها. لكننا مطالبون بأن نفكر بمصالحنا أولًا. وفي ميزان المصالح، لا يخدم العرب انهيار جارٍ كبير بقدر ما يخدمهم بناء بيتهم الداخلي على أسس صلبة.
التاريخ لا يرحم العاطفة السياسية. وحدها الاستراتيجية البعيدة المدى تصنع الأمم.