ليس كل من عمل في عدن انتمى إليها، وليس كل من تولّى مسؤولية فيها حمل همّها.
هناك فرق شاسع بين من يرى عدن مكتبًا يديره، ومن يراها قضية يعيشها.
الانتماء ليس شعارًا يُرفع، ولا خطابًا يُلقى في مناسبة، بل إحساس داخلي يدفع صاحبه تلقائيًا لتحمل المسؤولية، ويجعله يتألم لتعثرها كما يتألم لوجعه الشخصي. من ينتمي إلى عدن يدرك أن هذه المدينة ليست مجرد عاصمة إدارية، بل قلب نابض لوطنٍ كامل، وأن أي اختلال فيها ينعكس على الجسد كله.
عدن ليست مدينة عادية في التاريخ اليمني ولا في محيطها الإقليمي. كانت نموذجًا للتعايش، ومنارة للتنوير، وسبّاقة في الخدمات والبنية المدنية. يكفي أنها عرفت الكهرباء عام 1926، في وقت كانت فيه مدن كثيرة في المنطقة لا تزال تغرق في الظلام. هذا الإرث لم يكن صدفة، بل نتاج عقلية إدارة مدنية حديثة وفهم عميق لدور المدينة كمركز إشعاع.
اليوم، ونحن نرى عدن تعاني من أزمات متراكمة، يتضح الفرق بين عقلية الوظيفة وعقلية الانتماء. عقلية الوظيفة تكتفي بأداء الحد الأدنى، وتتعامل مع الأزمات كملفات روتينية. أما عقلية الانتماء فترى أن إصلاح عدن ليس خيارًا بل واجبًا وطنيًا، لأن تعافيها يعني تعافي الوطن بأكمله.
المتابع لتحركات الوزير عدنان الكاف يلحظ حضور هذا الهمّ العدني في نشاطه؛ حركة دؤوبة، متابعة ميدانية، وإيمان واضح بأن إصلاح عدن هو المدخل لأي إصلاح أوسع. قد نختلف أو نتفق في التقييم، لكن لا يمكن إنكار أن الشعور بالمسؤولية يظهر في الفعل قبل القول.
القضية الوطنية لن تجد طريقها للحل عبر الشعارات، بل عبر إعادة الاعتبار لعدن كفكرة ونموذج. إذا استعادت عدن عافيتها، واستعاد أبناؤها روح الانتماء، فإن الوطن كله سيستعيد توازنه. وكما يقول المثل: إذا تعافى الرأس تعافى الجسد.
عدن لا تحتاج إلى مسؤولين يؤدون واجبًا فحسب، بل إلى رجال ونساء يؤمنون أنها أمانة. وعندما يتحول المنصب إلى رسالة، يصبح الإصلاح ممكنًا، ويصبح النور – الذي عرفته هذه المدينة قبل قرن – حقيقة لا ذكرى.