بَينَ نصلِ عمر بن الخطاب الذي اشتهى رأسه، ونقمة الشيعة التي رمته بالنفاق، تقف هذه الشخصية اليمانية المركزية في برزخ الغموض؛ صهرُ الصِدِّيق وسليلُ المصاهرة النبوية. هي شخصيةٌ إشكالية، جزم طه حسين في محراب شكّه المنهجي أنها ليست سوى قناعٍ لـ (امرئ القيس)، في مغامرةٍ فكرية قلبت موازين الشعر الجاهلي.
تتجلى الذات اليمنية في المصادر التاريخية المبكرة بوصفها ذاتًا جماعية، تتأسس على رابطة النسب والقبيلة، وتُعيد إنتاج وجودها من خلال العصبية بوصفها آلية دفاع وتمييز في آن. وفي أخبار كِندة، كما يوردها كتاب الفتوح لأحمد بن أعثم الكوفي، تتكثف هذه الذات في صورة قبيلة ترى في نفسها كيانًا مستقلًا عن المركز السياسي، وتتعامل مع السلطة بوصفها (آخرًا) مهدِّدًا لسيادتها الرمزية والمادية
الأشعث بن قيس الكندي من أعتى دهاة العرب الذين طوعوا التاريخ لصالح السيادة اليمانية، فهو "جمرة العرب" وسيد ملوك كِندة الذين لم ينحنِ كبرياؤهم إلا لصاحب الرسالة ﷺ. حين وفد على المدينة في ثمانين راكبًا، دخلها بزهو الملوك يلبسون الحرير والذهب، في مشهد جسّد عظمة حضارة اليمن العريقة. ومع رحيل النبي الكريم، لم يكن تمرده مجرد "ردة" دينية، بل كان صراعًا سياسيًّا لاستعادة الاستقلال اليماني ورفضاً للتبعية؛ إذ تجلت الأنفة اليمانية في خطاب الكنديين الذين رأوا في السلطة المركزية سلطة استحواذ، وهو ما عبّر عنه أحد رجالهم بمرارة كما ورد في كتاب الفتوح: "وَاللَّهِ مَا نَحْنُ إِلَّا كَعَبِيدٍ لِقُرَيْشٍ! مَرَّةً يُوَجِّهُونَ إِلَيْنَا مَنْ يَأْخُذُ أَمْوَالَنَا، وَمَرَّةً يُوَلُّونَ عَلَيْنَا مَنْ يُهَدِّدُنَا بِالْقَتْلِ»".
وفي ملحمة حصن "النجير" بوادي حضرموت التي ستكون لنا فيها قراءة لاحقة، تجلّى حوار الأشعث مع زياد بن لبيد كصراع بين إرادة التحرر والسطوة المركزية؛ حيث اعتبر الأشعث أن حربه هي انتصار للكرامة المهدرة، فاستطاع بذكائه تحويل الهزيمة العسكرية إلى انتصار دبلوماسي، فارضًا وجوده في قلب بيت الحكم باعتباره صِهر الخليفة أبي بكر. وعندما واجه المساءلة، لم يتنصل من فعله بل أعاد تأطيره ليحوّله واجبًا أخلاقيًّا لحماية قومه، قائلاً:
"إِنَّ صَاحِبَكَ زِيَاداً قَتَلَ قَوْمِي ظُلْماً وَعُدْوَاناً، فَأَنِفْتُ لِذَلِكَ وَانْتَصَرْتُ لِقَوْمِي".
هذا الإباء اليماني لم يكن مقتصراً على كِندة، بل امتد ليشمل عصبية يمانية أوسع؛ إذ يذكر التاريخ امتناع قبائل يمانية عن محاربة الأشعث كبجيلة وأهل دبا ( عمان)، رفضاً لتحويل الصراع إلى اقتتال يماني-يماني.
لقد كان الإسلام هو الصانع الأول لهذه الهُوية الجامعة؛ فمن قلب مكة، بدأ تعميم معنى "اليمن" ليشمل كل جنوب الجزيرة، وحين نطق الرسول ﷺ بكلماته الخالدة: "جاءكم أهل اليمن"، كان يضع اللبنة الأولى في جدار "الذات اليمانية" الواحدة. وفي لحظات المِحن، تجلت هذه الهُوية في شكل عصبية صُلبة؛ فها هو الأشعث حين أحدق به الخطر، صرخ في وجه خصمه بوعي يماني جارف:
: «لَئِنْ قَتَلْتَنِي لَتَجْلِبَنَّ عَلَيْكَ وَعَلَى صَاحِبِكَ الْيَمَنَ بِأَجْمَعِهَا».
لقد صار (اليمن) هنا درعًا يحتمي به الملوك، تمامًا كما ظهر الأشعث في صِفّين لاعبًا سياسيًّا فرض "التحكيم" صوناً للدماء اليمانية من الاستنزاف في صراع المركز.
هذه الشخصية المركزية والغامضة، دفعت طه حسين للتشكيك في استقرار شخصية "امرئ القيس" التاريخية، ملمحًا إلى تداخل أخبار الأشعث فيها بسبب تشابه البنية السردية لملوك كِندة في صراعهم مع المركز. وفي المقابل، يقدم إحسان عباس مقاربة أكثر توازناً برفضه وحدة الشخصية، مؤكداً الوجود التاريخي المستقل لامرئ القيس معتبراً الاضطراب نتاج "تضخّم سردي". ورغم هذا الجدل، يبقى الأشعث رمزًا للذات التي لا تُقهر، حتى في لحظات الانكسار حين "جَمَعَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ مَنْ بَقِيَ مِنْ مُلُوكِ كِنْدَةَ فَصَفَّدَهُمْ فِي الْحَدِيدِ وَوَجَّهَ بِهِمْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ"؛ فقد ظل الأشعث "رأساً" يشارك في رسم قدر التاريخ الإسلامي من منظور يماني خالص
أما في موقعة صِفّين، فقد ظهر الأشعث لاعبًا سياسيًّا يمانيًّا بامتياز، حيث قاد قبائل اليمن في جيش الإمام علي، لكنه كان "بيضة القبان" التي رفضت استنزاف الدماء اليمانية في صراع لا ناقة لهم فيه ولا جمل، ففرض "التحكيم" إيقافًا لرحى الحرب التي كادت تفني شباب اليمن. هذه الشخصية المركزية والغامضة، دفعت طه حسين للتشكيك في استقرار شخصية "امرئ القيس" التاريخية، ملمحًا إلى تداخل أخبار الأشعث بن قيس فيها بسبب تشابه البنية السردية لملوك كِندة في صراعهم مع المركز. وفي المقابل، يقدم إحسان عباس مقاربة أكثر توازنًا برفضه وحدة الشخصية، مؤكداً الوجود التاريخي المستقل لامرئ القيس معتبراً الاضطراب نتاج "تضخم سردي". ورغم هذا الجدل، يبقى الأشعث رمزاً للذات التي لا تُقهر، حتى في لحظات الانكسار حين ؛ فقد ظل الأشعث "رأسًا" يشارك في رسم قدر التاريخ الإسلامي من منظور يماني خالص.
مچيب الرحمن الوصابي
يتبع بإذن الله