آخر تحديث :الإثنين-02 مارس 2026-01:37ص

الجغرافيا لا تلغى بالرغبات السياسية الطارئة

الأحد - 01 مارس 2026 - الساعة 03:55 ص
احمد سالم فضل

بقلم: احمد سالم فضل
- ارشيف الكاتب


ليس من الحكمة أن تُدار القضايا التاريخية بالعاطفة أو الرغبات السياسية الطارئة، فالجغرافيا لا تُلغى ببيان، والحدود لا تُمحى بخطاب إعلامي. وما يثار اليوم من أصوات تدّعي أن “وجود ليافع الساحل، ، هو قول يخالف الوثائق والمعاهدات المعترف بها دوليًا.

أولاً: المحميات وحدودها الموثقة

خلال حقبة الوجود البريطاني في الجنوب، تم توثيق حدود السلطنات والمشيخات والإمارات توثيقًا دقيقًا، باللغتين العربية والإنجليزية، وحُفظت تلك الوثائق ضمن سجلات رسمية.

ومن أهم المراجع:

المجلد الحادي عشر من كتيب المعاهدات الذي أعده وكيل وزارة الشؤون الخارجية البريطانية (يو. إيتشيسن).

الترجمة العربية التي أشرف عليها باحثون من جامعة عدن، والمحفوظة نسخة منها في مركز البحوث والدراسات اليمنية.

هذه الوثائق لم تكن مجرد سرد تاريخي، بل تضمنت تحديدًا دقيقًا للحدود والمساحات والكيانات السياسية القائمة آنذاك.

ثانياً: نموذج من وثائق الحدود

في الوثيقة رقم (25) لسنة 1881م، المعنونة بعدن – الفضلي، جرى تحديد الحدود بين قبائل العبدلي والفضلي بحضور المقيم السياسي البريطاني في عدن آنذاك.

الوثيقة نصّت على تحديدات جغرافية دقيقة، بالميل، وذكرت معالم طبيعية واضحة، مما يؤكد أن بريطانيا لم تكن تتعامل مع مساحات فضفاضة، بل مع كيانات محددة ومعترف بها.

وهذا الأسلوب ذاته طُبّق على بقية السلطنات والمشيخات، بما فيها مناطق يافع السفلى العليا .

ثالثاً: يافع في الوثائق التاريخية

يافع لم تكن وحدة جغرافية غامضة أو اسمًا اجتماعيًا فقط، بل كيانًا معروفًا بحدوده الداخلية بين العليا والسفلى، وبامتداداته

بالتقسيمات الإدارية التي أعقبت الاستقلال في عهد الرئيس

قحطان محمد الشعبي

لم تلغِ المسميات التاريخية، بل أعادت تنظيمها إداريًا ضمن المحافظات الست، مع الاحتفاظ بالأسماء والموروثات الجغرافية المعروفة.

فإذا كانت الوثائق البريطانية قد اعترفت بالكيانات الساحلية وحددت حدودها، وإذا كانت الدولة بعد الاستقلال قد أبقت على الأسماء التاريخية ضمن إطار إداري جديد، فمن أين جاء القول بوجود “يافع الساحل”؟

رابعاً: بين الحقيقة السياسية والإدعاء المتأخر

بمسمى الساحلي ليافع ليس تصحيحًا تاريخيًا، بل محاولة لإعادة تشكيل الجغرافيا لخدمة تصورات آنية.

التاريخ لا يُبنى على الرغبة، بل على:

معاهدات مكتوبة.

خرائط محفوظة.

تسميات وردت في وثائق رسمية.

وإقرار دولي ضمن نظام المحميات.

ومن الخطأ تحويل الخلافات السياسية الراهنة إلى معركة حول الحقائق الجغرافية الثابتة.

خامساً: لماذا هذا النقاش مهم؟

لأن الحديث عن الحقوق المعنوية والجغرافية لأبناء المحميات لا يمكن أن يُبنى على انتقائية.

إما أن نعتمد الوثيقة مرجعًا، أو نفتح الباب لفوضى التأويل.

إذا كان هناك مشروع سياسي فشل، أو وحدة دخلت مرحلة التعثر منذ عام 2015م، فذلك لا يبرر إعادة صياغة التاريخ أو إنكار مكونات جغرافية معترف بها.

الخلاصة

يافع الساحل اختراعًا إعلاميًا، مصطلحًا مستحدثًا، وليس امتداد جغرافي واجتماعي وثّقته المعاهدات، وأقرته الخرائط، وعرفته الإدارة الاستعمارية ثم الدولة بعد الاستقلال.

وأي محاولة لإنكار ذلك هي مجازفة بالتاريخ، لا خدمة للحقيقة.