آخر تحديث :الأحد-01 مارس 2026-01:18ص

لا سلام مستدام في اليمن دون تسليم السلاح والقبول بالدولة الاتحادية

السبت - 28 فبراير 2026 - الساعة 08:39 م
د. نجيب جبريل

بقلم: د. نجيب جبريل
- ارشيف الكاتب


بقلم: د. نجيب جبريل

رئيس الهيئة الاستشارية لاتحاد أبناء تهامة


تتداول وسائل إعلامية وسياسية تسريبات شبه مؤكدة عن توجه وفد من جماعة الحوثي إلى العاصمة السعودية الرياض، في إطار مساعٍ سياسية يُقال إنها تستهدف تحريك مسار السلام في اليمن. وبغضّ النظر عن مدى دقة هذه التسريبات، فإن أي تحرك سياسي في هذا الاتجاه يستدعي قراءة وطنية مسؤولة، تُبقي مصلحة اليمن واليمنيين فوق كل اعتبار.


لقد أكد أبناء تهامة في أكثر من موقف ومناسبة أنهم مع السلام العادل والشامل، المرتكز على المرجعيات المعترف بها دولياً، وفي مقدمتها المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وعلى رأسها القرار 2216. إن السلام العادل ليس مجرد وقف لإطلاق النار، ولا هدنة مؤقتة تعيد ترتيب أوراق الصراع، بل هو مسار متكامل يعالج جذور الأزمة ويعيد بناء الدولة على أسس وطنية جامعة.


لقد أثبتت السنوات الماضية أن الحرب التي تداخلت فيها عدة عوامل لا وطنية، بكل ما حملته من دمار إنساني واقتصادي واجتماعي، لم تكن طريقا فاعلاً للحسم المستدام. لكن في المقابل، فإن السلام الحقيقي يتطلب شجاعة أكبر من خوض الحرب؛ شجاعة الاعتراف بالخطأ، وشجاعة التنازل من أجل الوطن، وشجاعة العودة إلى منطق الدولة ومؤسساتها. السلام ليس صفقة سياسية ضيقة، بل هو مشروع وطني لإعادة الاعتبار للدولة الجامعة، ولسيادة القانون، ولحق المواطنين في الأمن والاستقرار والعيش الكريم.


من هذا المنطلق، فإن أي وفد من جماعة الحوثي يذهب إلى الرياض، أو إلى أي عاصمة أخرى، وهو غير مستعد بشكل صريح وواضح للموافقة على تسليم مؤسسات الدولة، وكل السلاح الثقيل والمتوسط، إلى جيش وطني موحد تحت مظلة دولة واحدة، لن يكون جاداً في تحقيق السلام. كما أن أي التفاف على جوهر الحل السياسي، المتمثل في الدولة الاتحادية التي توافق عليها اليمنيون في مؤتمر الحوار الوطني، لن ينتج سوى جولات جديدة من الصراع المؤجل.


إن الانقلاب على الدولة، وما تبعه من إراقة دماء، وتهجير، وانهيار اقتصادي، وتعطيل للمؤسسات، كان في جوهره رفضا لمشروع الدولة الاتحادية والشراكة الوطنية. وبالتالي، فإن العودة إلى طاولة التفاوض دون الاستعداد لتصحيح هذا المسار والاعتراف به صراحة من الحوثي أو شركائه القدامى/الجدد، تعد مضيعة للوقت، وإعادة إنتاج للأزمة بصيغ مختلفة.


اليمن اليوم لم يعد يحتمل تجارب سياسية رمادية، ولا تسويات غامضة تبقي السلاح خارج إطار الدولة، أو تشرعن واقع المليشيات. كما أن استقرار اليمن ليس شأناً يمنياً فحسب، بل يرتبط ارتباطاً مباشراً بأمن المنطقة والبحر الأحمر والممرات الدولية. وأي سلام لا ينهي حالة ازدواج السلطة والسلاح، ولا يعيد للدولة احتكارها المشروع للقوة، سيظل سلاماً هشاً، قابلاً للانهيار عند أول اختبار.


إن شعب تهامة يرى أن السلام الممكن هو السلام القائم على استعادة الدولة، وبناء مؤسساتها على قاعدة اتحادية عادلة تضمن الشراكة والتمثيل المتوازن، وتعالج المظالم التاريخية، وفي مقدمتها مظلومية تهامة وغيرها من المناطق التي عانت من التهميش والإقصاء. فالدولة الاتحادية ليست شعاراً سياسياً، بل ضمانة حقيقية لوحدة اليمن واستقراره وعدالته.


إن الطريق إلى السلام ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب وضوحاً وصدقاً وشجاعة سياسية. أما الذهاب إلى العواصم دون استعداد فعلي لتسليم الدولة والسلاح إلى مؤسساتها الشرعية، فذلك لن يفضي إلى سلام، بل إلى إطالة أمد المعاناة، وتعميق جراح وطن أنهكته الحروب.


والسلام الذي ننشده هو سلام الدولة، لا سلام المليشيا.

سلام الشراكة الوطنية، لا سلام الأمر الواقع.

سلام اليمن الواحد الاتحادي، لا سلام الهيمنة والانقلاب.