بقلم القاضي أنيس صالح جمعان
في أحد محلات الملابس بمدينة عدن، يقف أب حائراً أمام واجهة عرض ملابس الأطفال. يحمل في يده 41 ألف ريال يمني، هي قيمة 100 ريال سعودي حصل عليها بعد انتظار طويل في طوابير الصرافة. كان يأمل أن يشتري بها كسوة العيد لابنه الصغير، لكنه يصطدم بواقع صادم؛ المبلغ الذي كان يكفي العام الماضي لشراء ملابس العيد كاملة لم يعد اليوم يغطي سوى جزء بسيط منها بعد تضاعف الأسعار بشكل غير مسبوق.
هذا المشهد لم يعد استثناءً، بل تحول إلى صورة يومية تختصر المفارقة الاقتصادية التي تعيشها عدن: تحسن نظري في قيمة العملة المحلية يقابله تدهور فعلي في معيشة المواطن وارتفاع مستمر في الأسعار.
قبل عام واحد فقط، وتحديداً في رمضان 2025، كان المواطن يستطيع عبر 100 ريال سعودي — ما يعادل حينها 78 ألف ريال يمني — شراء بدلة عيد متكاملة لطفله، تشمل المعوز والقميص والقطرة والحذاء، مع مبلغ متبقٍ بسيط. أما اليوم، وبعد انخفاض قيمة الريال السعودي إلى نحو 41 ألف ريال يمني، فقد تقلصت القدرة الشرائية بشكل حاد، رغم ما يبدو ظاهرياً أنه تحسن في سعر العملة المحلية.
الأسعار الحالية تكشف حجم المفارقة؛ فالمعوز الذي كان يُباع بـ40 ألف ريال ارتفع إلى 54 ألفاً، والقميص من 12 ألفاً إلى 16 ألفاً، والقطرة إلى 12 ألفاً، بينما قفز سعر الحذاء إلى 28 ألف ريال. وبذلك أصبحت تكلفة البدلة المتكاملة تصل إلى 110 آلاف ريال يمني، أي أن المواطن بات يحتاج إلى ما يعادل 268 ريالاً سعودياً لشراء ما كان يحصل عليه قبل عام مقابل 100 ريال فقط. النتيجة المباشرة هي تراجع القوة الشرائية بأكثر من 60 في المئة، في واحدة من أكثر المفارقات الاقتصادية قسوة.
هذه المعادلة المعكوسة تطرح سؤالاً أساسياً: كيف تتحسن العملة بينما تنهار المعيشة؟ التحليلات الاقتصادية تشير إلى وجود مستفيدين رئيسيين من هذا الوضع، في مقدمتهم كبار الصرافين الذين تحوّلوا، وفق توصيف متداول في الأوساط الاقتصادية، إلى مهندسي الأزمة.
خلال الأشهر الماضية شهد سوق الصرف تقلبات حادة دفعت المواطنين إلى بيع العملات الأجنبية بأسعار منخفضة، قبل أن ترتفع قيمتها لاحقاً لصالح المضاربين. ويُعتقد أن أحد أسباب ذلك يتمثل في خلق أزمة سيولة مفتعلة عبر سحب كميات كبيرة من الريال اليمني من السوق وتخزينها، ما أدى إلى ندرة مصطنعة للعملة المحلية. هذه الندرة انعكست على المواطنين الذين أصبحوا يواجهون سقوفاً محدودة للتحويلات المالية بحجة عدم توفر السيولة.
في الوقت ذاته، استفاد المضاربون من شراء الريال اليمني بأسعار منخفضة عندما كان الدولار والريال السعودي في مستويات مرتفعة، ثم إعادة ضخه في السوق بعد ارتفاع قيمته، محققين أرباحاً كبيرة من فروقات الأسعار. وبفضل قدرتهم على التحكم بتدفق العملة وتحديد أسعار الصرف اليومية، أصبح السوق عملياً رهينة لمضاربات محدودة التأثير لكنها واسعة النتائج على حياة الناس.
إلى جانب الصرافين، يبرز كبار المستوردين والتجار كمستفيدين رئيسيين من هذه المعادلة. فالسوق اليمني يعاني من بنية شبه احتكارية تتحكم فيها مجموعة محدودة من المستوردين، ما يجعل المنافسة ضعيفة ويمنح التجار قدرة على تثبيت الأسعار أو رفعها حتى مع انخفاض تكلفة الاستيراد.
المفارقة أن التجار يستوردون بضائعهم حالياً بعملة أجنبية أرخص نسبياً، لكنهم يبيعونها للمواطن بأسعار العام الماضي أو أعلى، ما يحقق لهم ربحاً مزدوجاً: تكلفة أقل عند الاستيراد وسعر مرتفع عند البيع. ومع غياب الرقابة الفعلية على الأسواق، لا توجد آليات تفرض خفض الأسعار أو تحمي المستهلك من الاحتكار.
الخاسر الأكبر في هذه المعادلة هو المواطن بكل فئاته، خصوصاً المغتربين والعسكريين والموظفين. المغترب الذي كان يحول 500 ريال سعودي لتحصل أسرته على نحو 390 ألف ريال يمني، لم تعد تحويلاته اليوم تتجاوز 205 آلاف ريال، أي أقل من النصف تقريباً. وللحفاظ على نفس مستوى المعيشة السابق، أصبح مضطراً لإرسال مبالغ مضاعفة تقريباً.
أما الموظفون والعسكريون الذين يتقاضون رواتبهم بالريال اليمني، فيواجهون مفارقة أخرى؛ رواتبهم تبدو أفضل نظرياً عند تحويلها إلى العملات الأجنبية، لكنها عملياً فقدت قدرتها الشرائية بسبب ارتفاع الأسعار. الراتب ذاته لم يعد قادراً على شراء نفس السلع التي كان يوفرها قبل عام واحد فقط.
المسؤولية، وفق هذا الطرح، تتوزع بين عدة جهات. فالسلطة المحلية في عدن متهمة بالغياب عن الرقابة الفعلية على الأسواق، بينما لم يتمكن البنك المركزي من ضبط سوق الصرف أو كسر الاحتكار رغم الإجراءات المتخذة. أما الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي، فيُنظر إليهما باعتبارهما لم ينجحا في توفير شبكة أمان اجتماعي تحمي المواطنين من تقلبات السوق وجشع الاحتكار.
الخلاصة التي يطرحها الواقع الاقتصادي واضحة: تحالف المصالح بين كبار الصرافين وكبار المستوردين هو المستفيد الأكبر، بينما يتحمل المواطن وحده كلفة الفوضى الاقتصادية. الصراف يربح من المضاربة، والتاجر يربح من فجوة الأسعار، فيما تتآكل مدخرات الناس وقدرتهم على العيش الكريم.
المفارقة الأخطر أن الأرقام على الورق تبدو إيجابية مع تحسن العملة، بينما الواقع في الأسواق يسير في الاتجاه المعاكس تماماً. وبينما ترتفع المؤشرات النقدية شكلياً، يزداد الفقر فعلياً، وتتحول احتياجات بسيطة مثل كسوة العيد إلى حلم بعيد المنال في مدينة كانت يوماً رمزاً للتجارة والرخاء.
ويبقى الأمل معلقاً على تحرك جاد يعيد ضبط السوق، ويكسر الاحتكار، ويفرض رقابة حقيقية تحمي المواطن من استنزاف قدرته الشرائية، قبل أن تتحول الأزمة الاقتصادية إلى واقع دائم يصعب الخروج منه.
القاضي أنيس صالح جمعان
28 فبراير 2026م