آخر تحديث :السبت-28 فبراير 2026-01:38ص

عدنا إلى المربّع الأول

الجمعة - 27 فبراير 2026 - الساعة 07:31 م
طارق حاتم

بقلم: طارق حاتم
- ارشيف الكاتب


حالُنا اليوم في عدن يثير الشفقة بقدر ما يبعث على التساؤل والحيرة. عدنا إلى المربّع الأول؛ إلى الساحة والهتاف، إلى ملعبٍ نظن أننا نجيد اللعب فيه، وكأن الزمن دار دورةً كاملة ليعيدنا إلى نقطة البداية. مرحلةٌ حسبناها طُويت، فإذا بالبعض ينفض الغبار عن شعارات الأمس، يمسح الصور ليعيد نشرها، ويعود إلى الساحة كأن شيئًا لم يكن.

كان يفترض أن تكون تلك محطة عابرة تجاوزناها، غير أن قيادةً بليدة جامدة الفكر أعادت الكرة إلى ملعب الحاضنة الشعبية ـ أو ما تبقى منها ـ فعاد الصراخ يعلو من جديد. قياداتٌ هربت من الميدان، وأخرى بدّلت جلدها وامتطت الموجة، وهي في الأصل جزءٌ أصيل من المشهد السابق، لكنها صدّقت روايتها الجديدة، واعتلت منابر الإعلام لتسوّق واقعًا مغايرًا.


ولا أخفيكم سرًا، فثمّة من شدّ الرحال سياسيًا إلى السعودية في الظل، سعيًا وراء فتاتٍ أو نصيبٍ من كعكةٍ تُقتسم بعيدًا عن أعين الناس. تبدّلت لغة منشوراتهم، وانقلب خطابهم رأسًا على عقب، وبدأوا يرسلون رسائل مبطّنة تمهّد لذلك التحوّل، كأن البوصلة لم تعد تشير إلى المبدأ بل إلى حيث تكون المصلحة.


بل إن قضية الجنوب نفسها ـ التي كان يفترض أن تكون وجعًا وطنيًا جامعًا ـ تحوّلت لدى البعض إلى باب رزقٍ وقح، ومزادٍ مفتوح تُشهر فيه الشعارات كما تُشهر السلع، وتُستدرّ به العواطف كما تُستدرّ الأرباح. سقط الحياء السياسي حتى بات الابتذال نهجًا، وصار التكسّب من القضية أمرًا لا يُوارى ولا يُستحى منه.


المراقب للمشهد في عدن يرى تكرارًا؛ عشرات الصفحات والمحللين يعيدون الأسطوانة ذاتها، خطابًا حالمًا ساذجًا يدغدغ العواطف ويستجدي الإعجاب، بينما الحقيقة على الأرض أبعد ما تكون عن ضجيج وسائل التواصل. بين واقعٍ مُثقَل بالتعقيد، وصورةٍ افتراضية براقة، تضيع البوصلة، ويبقى الناس أسرى الوهم، يصفقون لصدى الكلمات أكثر مما يصغون لوقع الخطى على التراب.