آخر تحديث :الثلاثاء-24 فبراير 2026-02:21م

البنك المركزي يعزف سمفونية التعافي.. فهل تجيد الحكومة قيادة الأوركسترا؟

الثلاثاء - 24 فبراير 2026 - الساعة 04:05 ص
حمدي محمد

بقلم: حمدي محمد
- ارشيف الكاتب


حمدي محمد


في مشهد يحاكي أبدع السمفونيات الموسيقية، يواصل البنك المركزي اليمني العزف على أوتار الاقتصاد الوطني بإيقاع متقن، رغم النشاز الذي تبعثه قوى الفوضى من مضاربي العملة ومهندسي الصراعات.

إنها سمفونية التعافي والاستقرار المالي التي تتردد أصداؤها في أروقة المؤسسات المالية، لكن السؤال الأهم: هل يصل هذا العزف الرائع إلى آذان المواطن البسيط؟ وهل تجيد الحكومة قيادة الأوركسترا لتكتمل الروعة؟


نعلم ويعلم الكثير انه لم تكن رحلة البنك المركزي اليمني نحو الاستقرار النقدي مفروشة بالورود، بل واجه خلالها "مطبات" من صنع "هوامير الصرافة" .

وبكل اقتدار استطاع البنك بعزفه المنفرد أن يحقق ما عجزت عنه سنوات من الفوضى، ليؤكد أن الإرادة الوطنية الصلبة قادرة على صنع المعجزات حتى في أحلك الظروف.


فمنذ أشهر والبنك المركزي يقود حملة منظمة لاستقرار العملة الوطنية، متحدياً بذلك قوى الفساد والصراع التي تستفيد من انهيار الاقتصاد. وكما يقول المثل اليمني: "الباب اللي يجيك منه الريح سده واستريح"، فقد سد البنك الكثير من الثغرات التي كانت تستنزف العملة الصعبة، مستخدماً أدوات السياسة النقدية بذكاء وحنكة، ليعيد للريال بعضاً من هيبته المفقودة.

وعليه نقول ان اللحن الجميل يحتاج إلى توزيع متقن على جميع الآلات الموسيقية، وهنا يأتي دور الحكومة التي يبدو أنها تخلفت عن بروفات هذه السمفونية.

فبينما يعزف البنك المركزي ألحان الاستقرار، تغيبت الحكومة عن دورها الرقابي على الأسواق، تاركة إياه معلقاً في الهواء دون أن يلامس جيوب المواطنين.


والأمثلة صارخة، فالمواطن اليمني البسيط لم يشعر بتحسن يذكر رغم استقرار سعر الصرف نسبياً، بل على العكس، استمرت الأسعار في ارتفاعها الجنوني، وكأن المثل اليمني "البيع على كيف كيفك" أصبح دستوراً يتعامل به التجار مع المستهلكين.

والمؤلم أن بعض السلع شهدت زيادات غير مبررة، مثل قطع غيار السيارات التي تمثل شريان حياة للكثير من الأسر اليمنية، حيث قفزت أسعارها بشكل يفوق المنطق، لتصبح المثل القائل "الغايب حجته معاه" واقعاً يمارسه بعض التجار الجشعين.


ما يزيد الطين بلة، أن هناك من "لا يرحمون ولا يتركون رحمة الله تنزل"، كما يقال في الأمثال الشعبية اليمنية، من أولئك الذين يتغذون على معاناة الشعب، من صرافين محتكرين، وسياسيين يلهثون وراء مصالحهم الضيقة على حساب المصلحة الوطنية. هؤلاء يعملون ليل نهار لخلق المطبات في طريق التعافي، مدركين أن استقرار العملة يعني نهاية عصر الريع والفساد الذي استفادوا منه طويلاً.


فالاضطرابات السياسية الأخيرة لم تأتِ فقط لتخلخل الوضع الأمني، بل لتضرب في العمق الجهود الاقتصادية، وكأن هناك من يريد إفشال السمفونية قبل اكتمالها.

يبقى السؤال الملح: هل ستشهد الأيام المقبلة تحركاً حكومياً وعلى مستى المحليات بكل المحافظات المحررة وبشكل جادا يتناغم مع إيقاع البنك المركزي؟ وهل ستشمل الرقابة كل السلع، وليس فقط المواد الغذائية، لتكتمل الصورة وتصل ثمار التعافي إلى جميع فئات المجتمع؟


فكما يقول المثل اليمني: "يدٍ تغسل يدٍ والوجه يضيء"، فالتعاون بين البنك المركزي والحكومة هو السبيل الوحيد لإضاءة وجه الاقتصاد اليمني المعتم. فما قيمة استقرار العملة إذا بقيت الأسعار في عنان السماء؟ وما فائدة السمفونية إذا كان الجمهور لا يسمع منها إلا الضوضاء؟


إن على الحكومة أن تدرك أن المثل اليمني يقول: "اللي ما له أول ما له آخر"، فلا يمكن لجهود البنك المركزي أن تستمر في فراغ سياسي ورسمي، بل تحتاج إلى غطاء رقابي وسياسي يحميها ويكملها.

فالمواطن البسيط الذي يبحث عن قوت يومه لا يهمه من يعزف ما دامت يده لا تصل إلى لقمة العيش بسهولة.


يبقى البنك المركزي هو النور الوحيد في نفق الاقتصاد اليمني المظلم، يعزف بكل إخلاص سمفونية التعافي، لكنه يحتاج إلى دعم حكومي حقيقي، وإلى وقفة صارمة أمام جشع التجار والمضاربين، وإلى إرادة سياسية تضع المواطن فوق كل اعتبار.

عندها فقط ستكتمل السمفونية، ويهتف الجميع كما يهتف اليمنيون في أفراحهم: "يا ليل لا تطول، ويا صباح أقبل"، لعل صباح التعافي الحقيقي يصبح قريباً.