ليست ثلاثة القرون رقما في تقويم، بل اختبارا نادرا لقدرة دولةٍ على البقاء والتجدد في آنٍ معا. ومع اقتراب الشقيقة الكبرى، المملكة العربية السعودية، من إكمال ثلاثة قرون على تأسيسها الأولى، يصبح السؤال أعمق من الاحتفاء: كيف استطاعت فكرةٌ سياسية نشأت في قلب الصحراء أن تصمد أمام تبدلات التاريخ، وأن تعبر إلى زمن التحولات الكبرى بثبات وثقة؟
في تقديري، سر الاستمرارية لم يكن في الظروف، بل في الفكرة المؤسسة. فالدولة منذ نشأتها لم تبن على توازنات عابرة أو تحالفات مؤقتة، بل على رابطة عقدية واضحة، منحتها شرعية معنوية قبل أن تمنحها قوة سياسية. هذه الشرعية لم تكن شعارا، بل إطارا ناظما لعلاقة الدولة بالمجتمع، ولتصورها عن السلطة والمسؤولية والواجب.
لكن الثبات على الجذور لم يتحول إلى جمود. وهنا مربط التميز. فالدولة التي أعادت توحيد نفسها في القرن العشرين، دخلت القرن الحادي والعشرين وهي تدرك أن البقاء في عالم اليوم لا يتحقق إلا بإعادة تعريف أدوات القوة: الاقتصاد، التعليم، التقنية، والانفتاح الثقافي. لم يعد ممكنا إدارة دولة شابة بطموحات عالمية بعقلية تقليدية، ولا يمكن في الوقت ذاته التضحية بالهوية تحت ضغط التحديث.
من هنا يمكن فهم التحول الذي تشهده المملكة في السنوات الأخيرة، بوصفه انتقالا مدروسا لا قفزة في الفراغ. الإصلاحات الاجتماعية، وتمكين المرأة، وتنويع مصادر الدخل، وتحديث الأنظمة، ليست تنازلات عن الثوابت، بل محاولة لقراءة المتغيرات من داخل المنظومة القيمية نفسها. إن التحدي الحقيقي لم يكن في إطلاق مشاريع جديدة، بل في إقناع الداخل قبل الخارج بأن الأصالة والحداثة ليستا ضدين.
ثمة من يختزل التجربة السعودية في بعدها الديني، وآخرون يقرؤونها فقط من زاوية النفط والسياسة. غير أن الحقيقة أكثر تركيبا. المملكة اليوم تقدم نموذجا لدولة تسعى لبناء مؤسسات حديثة وحوكمة متقدمة، دون أن تتخلى عن مرجعيتها الإسلامية. هذا التوازن صعب، وربما مستحيل في تجارب أخرى، لكنه هنا يتشكل بوصفه خيارا استراتيجيا، لا ظرفا مؤقتا.
في عالم يعاني من صراعات الهوية، تمثل المملكة حالة تستحق التأمل. فهي تبني دولة مؤسسات حديثة، تعتمد التخطيط الاستراتيجي والحوكمة والشفافية، وفي الوقت ذاته تصر على أن قيم الإسلام تمثل مرجعيتها الأخلاقية والتشريعية.
هذا التوازن ليس سهلا. إذ يتطلب عمق إيمان لدى القيادة، ووعيا مجتمعيا بطبيعة المرحلة، وقدرة على إدارة التغير دون صدمات وجودية. لذلك يمكن القول إن التجربة السعودية لا تقوم على ثنائية صراع بين “الدين” و“المدنية”، بل على صيغة تكامل بينهما.
وعملت المملكة على ترسيخ موقعها السياسي كقوة توازن في محيط مضطرب. فهي عضو مؤثر في مجموعة العشرين، ولاعب رئيسي في أسواق الطاقة، ووسيط في ملفات إقليمية معقدة. وتقوم سياستها الخارجية على مبدأ الاعتدال، وحماية المصالح الوطنية، والسعي إلى الاستقرار الإقليمي.
نجاح المملكة يكمن في جمعها الحكيم بين الثقل الديني – بوصفها مهد الإسلام وقبلة المسلمين – والثقل السياسي والاقتصادي، منحها موقعا خاصا في النظام الدولي، يجعلها في قلب معادلات الشرق الأوسط والعالم الإسلامي.
ثلاثة قرون… وسؤال المستقبل
القرن الثالث ليس مجرد رقم احتفالي، بل لحظة تأمل في سؤال الاستمرارية: كيف تحافظ الدولة على روحها المؤسسة، وهي تعبر نحو عالم شديد السيولة والتقلب؟
الجواب، كما تكشف التجربة، يكمن في ثلاث ركائز:
شرعية متجذرة في الهوية.
قيادة قادرة على قراءة التحولات.
مجتمع شاب يرى في وطنه أفقا لتحقيق طموحه.
هكذا، لا تبدو ثلاثة القرون مجرد عمرٍ كما وصفت، بل عمر مشروعٍ سياسيٍّ استطاع أن يزاوج بين العقيدة والعمران، وبين الرسالة والتحديث، ليبقى قلبا نابضا في عالمٍ يبحث عن معنى الثبات وسط رياح التغيير.
وإذا كان الماضي يمنح الشرعية، فإن المستقبل وحده يمنح الاستحقاق. والمملكة، وهي تدخل قرنها الثالث، لا تكتفي بالاحتفاء بتاريخها، بل تكتب فصولا جديدة في سردية دولةٍ قررت أن تكون امتدادا لجذورها، لا أسيرةً لها.