آخر تحديث :الثلاثاء-24 فبراير 2026-02:23ص

هم هكذا ولن يتبدّلوا !

الإثنين - 23 فبراير 2026 - الساعة 09:06 م
محمد علي محسن

بقلم: محمد علي محسن
- ارشيف الكاتب


ناسٌ اعتادوا الدّماء، واستوطنوا القرابين المُزهقة، فلا شيء أفضل في قاموسهم من دمٍ سائحٍ؛ يُنمّي حضورهم، ويزيد شعبيتهم. الفكرة والمنطق والحياة والسلم والتنمية مفردات لا تتعايش معهم.


هم هكذا ، أقلّ بكثير من أن يحملوا فكرة وطنية، وقدراتهم ضئيلة ومحدودة لا تتعدّى موضع أقدامهم. التجربة كافية للحكم على فشلهم. ومن الغباء والسذاجة الرهان على من ثَبُتَ فشلُهم وعجزُهم في إدارة محافظة ، على ما توفّر لهم من إمكانات مادية هائلة.


ولأنهم سقطوا في أول اختبار، فماذا عساهم يقدّمون الآن غير التظاهرات الساخطة، وسوى الدماء المُعفّرة على قارعة ما يظنّونه نضالًا، يحسبونه تحرّرًا، ويسمّونه استقلالًا ؟.

سينتفضون الآن، ولن يبقوا صامتين، يريدون إفشال أي جهدٍ لتطبيع الأوضاع وإعادة ثقة الناس بالحكومة والدولة عمومًا . انتظام الخدمات والمرتبات والمؤسسات لا يعني لهم غير نهاية مخجلة، ولهذا لا تتوقّعوا منهم سوى العبث.


نعم، ليس هنالك ما هو أفضل من دمٍ نازف وروحٍ ميتة. الدم والقرابين تبقيهم أحياءً في محراب مسيرة طويلة من الإخفاق والوهم! الحقيقة التي ينبغي إدراكها، بعيدًا عن لغط الخطاب، هي أنهم ليس لديهم ما هو خيرٌ من مراسيم التشييع، ومن إزهاق الأرواح، ومن العبث والفوضى والأزمات.


ففي قاموس الفاشلين، تتحوّل الخسائرُ إلى انتصارات، ويصبح الدمار ثورة، وترتدي الفوضى رداء النضال.

وتُسمّى المآسي "أيامًا خالدة"، ويُكتب للدم شعرٌ، ويُنصب للموت تمثالٌ.

وإذا كان هنالك من يبني أمجاده بالعلم والمعرفة وبالتنمية والإنجاز، فإن هنالك -بالمقابل- من يبني مجدًا ووطنًا بالخطب والشعارات، وعلى أشلاء القرابين وأكفان الموتى.


حالة شاذة على التاريخ، فحين أخفقوا وخاب رجاؤهم في بناء دولة غريبة عجيبة مبتورة الجذور، انتسبوا إلى الموت، وظنّوا الدماء وطنًا، والسلطة منصبًا، والدولة غنيمة...

لكن الحقيقة أن الموت ليس وطنًا، والدماء ليست استقلالًا، والجثث ليست أمجادًا . فالمجد لا يُكتب بالخناجر وزخّات الرصاص، بل بحروف النجاح والإنجاز؛ والدولة لا تُبنى على رفات الأشلاء، وإنما بجهود وأفكار وسواعد الأحياء.


ستنتصر الحياة، ولو بعد حين، فالحياة تكره الصمت، تمقت الموت، وتعشق النبض. وصدق الله القائل: "مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا" .


خلاصة الكلام: لا تتعبوا أنفسكم في محاولات إقناع من لا يفهمون ولا يدركون. سيبقون على ذات المنوال، ثابتون لا يتبدّلون، أقوياء وراسخين -أو هكذا يظنّون- ولكن في المسار الخاطئ من التاريخ . فلا تغرنّكم الهتافات ولا الرايات ولا الأسماء، فجميعها -مثل بعضها- أزمات مركّبة لا تؤسّس لدولة مستقرة، ولا تشيد وطنًا يفخر به أبناؤه.


محمد علي محسن