آخر تحديث :الأحد-22 فبراير 2026-10:42م

على حافة الدمع

الأحد - 22 فبراير 2026 - الساعة 05:51 م
صلاح الطاهري

بقلم: صلاح الطاهري
- ارشيف الكاتب


في اليمن، لم يعد البكاء علامة ضعف، بل صار لغة يومية يتقنها الجميع.


لغة تختلط فيها الحسرة بالرجاء، والوجع بالأمل، والحرمان بومضة عابرة من كرامة مستعادة.


هنا، حيث أنهكت الحرب كل شيء، لم يعد السؤال... من الذي خسر؟ بل... ماذا تبقى؟


أكثر من عقدٍ مضى منذ اندلاع الحرب عام 2014، منذ أن اجتاحت مليشيات الحوثي العاصمة صنعاء، ودخلت البلاد في نفقٍ طويل من الانقسام والتشظي.


لم تقتصر الكارثة على الجبهات، بل تسللت إلى تفاصيل الحياة اليومية...إلى رغيف الخبز، إلى دفاتر المدارس، إلى غرف المستشفيات، إلى جيوبٍ خلت من المرتبات، وإلى قلوبٍ أثقلها الغياب.


اليمني اليوم لا يواجه حرباً واحدة، بل حروباً متداخلة... حرب الاقتصاد المنهار، حرب الطرق المقطوعة، حرب الرواتب المنقطعة، حرب الأسواق الكاسدة، وحرب الخوف من الاعتقال والاختطاف.


مدنٌ شبه محاصرة، أريافٌ منسية، طرقات غير مؤهلة تحصد الأرواح بصمت، وأسرٌ تتوزع بين نزوح داخلي وغربة خارجية بحثاً عن حدٍ أدنى من الأمان.


في مواسم المناسبات الدينية والأعياد، وعلى رأسها شهر رمضان، تتكثف الصورة أكثر. تنتشر المبادرات الإنسانية، تتوالى الحملات الإغاثية، تمتلئ منصات التواصل الاجتماعي بمقاطع تُظهر توزيع السلال الغذائية، ووجوهاً شاحبة تتحول فجأة إلى ملامح يغمرها الامتنان.


تبكي امرأة لأنها تسلمت كيس دقيق.

يبتسم طفل لأنه حصل على ثوب جديد.

يجهش أبٌ بالدموع لأنه شعر، ولو للحظة، أن أحداً تذكره.


إنها دموع الفرح… لكنها في اليمن ليست فرحاً خالصاً.


هي دموع مركبة، يختلط فيها الامتنان بالمرارة.

دموع تقول إن الحاجة بلغت حداً جعل أبسط الأشياء معجزة.

أن تتحول سلة غذائية إلى حدث استثنائي، وأن يصبح الحصول على راتب مؤجل حلماً، وأن يُعدّ الإفطار الكامل انتصاراً صغيراً على القسوة… فذلك يكشف عمق الجرح.


المشاهد التي تبثها القنوات الفضائية، والمقاطع التي يتداولها رواد العمل الإنساني، لا تعكس مجرد حالات فردية؛ إنها صورة مكثفة لوطنٍ أُنهك. كبارٌ ينتظرون دواءً لا يأتي، نساءٌ يحملن أعباء أسرٍ كاملة، أطفالٌ كبروا قبل أوانهم، جرحى أنهكتهم الإصابات، ومعتقلون غيّبتهم الزنازين.


في كل زاوية قصة، وفي كل قصة وجع لا يُختصر في دقيقة مصورة.


ومع ذلك، وسط هذا الركام، لا يزال اليمني يحتفظ بقدرته العجيبة على البكاء حين يفرح.

كأن الدموع صارت وسيلته الوحيدة للتعبير عن امتلاء القلب بعد طول قحط. دموع الفرح هنا ليست ترفاً عاطفياً، بل فعل مقاومة.

مقاومة للانكسار الكامل، وإصرار على أن الإنسان، مهما أُثقل، يظل قادراً على التقاط لحظة نور.


لكن السؤال الذي يفرض نفسه... إلى متى يبقى الفرح مشروطاً بالمبادرات، والمعونات؟

إلى متى تظل الكرامة الإنسانية رهينة سلة غذائية أو حملة موسمية؟

إن اليمنيين لا يحتاجون إلى دموع عابرة، بل إلى حلول جذرية تعيد بناء الاقتصاد، وتستعيد مؤسسات الدولة، وتكفل الأمن والعدالة، وتضمن انتظام الرواتب، وحرية التنقل، وحق الحياة بلا خوف.


لقد بكى اليمن كثيراً.


بكى على ضحاياه، على مدنه، على شبابه الذين غادروه قسراً، وعلى أحلامٍ تأجلت طويلاً.

لكنه، في المقابل، ما زال قادراً على أن يبكي فرحاً حين تمتد يد العون، وحين يشعر أن العالم لم ينسه تماماً.


على حافة الدمع يقف اليمن اليوم… لا مستسلِماً ولا منتصراً، بل متشبثاً بما تبقى من إنسانيته.

ينتظر لحظة لا تكون فيها الدموع ضرورة يومية، بل ذكرى زمنٍ قاسٍ مضى، وحين يصبح الفرح حقاً طبيعياً، لا مناسبة استثنائية.