في مشهدٍ يكشف عمق الفجوة بين الشعارات "الإنسانية" الغربية والواقع العملي، تبرز تصريحات وزيرة الخارجية الألمانية خلال زيارتها لسوريا قبل عامين كوثيقة إدانة لسياسة الابتزاز التي يمارسها الغرب ضد الشعوب المسلمة، وتحديداً في سوريا.
لم تكن الكلمات مجرد دبلوماسية عابرة، بل كانت رسالة واضحة: "تخلوا عن إسلامية نظامكم التعليمي والقضائي، نمنحكم المال".
الابتزاز بالدعم والاعتراف المشروط
تصف الوزيرة الألمانية الإدارات القائمة في المناطق السورية بـ "الهياكل"، في محاولة لنزع الشرعية عنها، ومع ذلك تسعى لزيارتها ومفاوضتها.
الرسالة المبطنة للشعب السوري كانت واضحة وبغيضة: "لو نبذتم هذه الهياكل الإسلامية وطالبتم بدولة علمانية، لفتحت خزائن أوروبا لكم".
إنه استغلال صريح للجوع والحاجة، ومقايضة الكرامة بالرغيف.
المثير للسخرية في الخطاب الغربي هو مطالبة الضحية بأن يكون "مؤدباً". وتفسير "الأدب" وفق المعيار الألماني يعني: "تجنب الأعمال الانتقامية".
وفي لغة الواقع، هذا يعني منع القصاص ممن حرقوا وقتلوا ودفنوا السوريين أحياء وانتهكوا الأعراض.
الغرب يسميه "انتقاماً" ليجرمه، ونحن نسميه "قصاصاً" فيه حياة للمجتمعات كما نص القرآن الكريم.
بينما تطالب الوزيرة السوريين بالمسامحة، نجد بلدها يقف في البرلمان ليعلن وبكل "بجاحة" أن الأماكن المدنية والمستشفيات في غزة تفقد حرمتها إذا استغلها من تسميهم "إرهابيين"، مبررة بذلك أبشع أنواع الإبادة الجماعية، بل وتضاعف صادرات الأسلحة لمن يقتل الأطفال والنساء.
هنا يظهر الميزان المختل: الانتقام مسموح للغرب والصهاينة وبأبشع صوره، والقصاص ممنوع على المسلمين ولو كان حقاً شرعياً.
لم يعد الغرب يتستر وراء محاربة "التطرف" فقط؛ فبعد أحداث 7 أكتوبر، سقطت الأقنعة.
المطلب اليوم هو منع "أسلمة" القضاء والتعليم. إنهم يحاربون الهوية في مهدها، ويحاولون صياغة عقول الأجيال القادمة بعيداً عن دينهم وفطرتهم.
الخلاصة المطلوبة غربياً هي: "احكموا بغير ما أنزل الله كي نرضى عنكم".
أموالنا المنهوبة تُستخدم لابتزازنا
الحقيقة الغائبة التي يتناساها الكثيرون هي أن الأموال التي تمنّ بها أوروبا على منطقتنا ليست هبة من عندهم، بل هي جزء يسير من الثروات المنهوبة عبر عقود من استعمار واستنزاف خيرات الشرق الأوسط وأفريقيا، بتواطؤ مع أنظمة فاسدة باعت ثروات شعوبها مقابل ثمن بخس.
اليوم، يستخدم الغرب هذا "الفتات" المسروق لابتزاز المسلمين في دينهم وأخلاقهم، في حرب واضحة على الفطرة الإنسانية.
وكما قال الله تعالى: وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ. إنها معركة هوية بامتياز، والمال ليس إلا سلاحاً في يد من فقدوا بوصلة الأخلاق.
محرر الشؤون السياسية بمركز ابين الاعلامي.