كنت قد نسيت متابعة التلفزيون في المنزل بسبب انطفاء الكهرباء لعدة سنوات في البلاد، وعادت الروح الى منازلنا بعد عودة الكهرباء بشكل طيب، فشرعت اتابع قناة السعيدة، فوجدت عرضا لبرنامج تراحموا على شاشتها، وشاهدت الما لم يعد القلب قادرا على تحمله. وجوها انهكها المرض، واسرا ارهقتها الديون، وامهات ينتظرن معجزة صغيرة تنقذ ابناءهن من الفشل الكلوي او من وجع لا يهدأ. يقف معد ومقدم البرنامج عبدالملك السماوي بين تلك القصص، محاولا ان يكون جسرا بين الالم والرحمة، بين الحاجة والقلوب القادرة على العطاء.
لكن السؤال الذي يتردد في اعماق كل مشاهد ليس عن قيمة المبلغ المقدم، ولا عن رقم الهاتف الذي يعلن على الشاشة، بل عن السبب الذي جعل الكاميرا تتحول الى نافذة استغاثة. لماذا صار المريض مضطرا ان يحكي وجعه امام الناس كي يحصل على حقه في العلاج؟ ولماذا اصبحت الدموع وسيلة للوصول الى ابسط مقومات الحياة؟
الحرب في اليمن لم تكن مجرد معارك وسلاح، بل كانت زلزالا طال كل بيت. اغلقت مصادر رزق، انهارت العملة، تعطلت مؤسسات، وتراجع القطاع الصحي حتى اصبح المرض حكما قاسيا على الفقراء. مرضى الفشل الكلوي الذين يحتاجون جلسات منتظمة وجدوا انفسهم امام مراكز تفتقر الى الامكانات، واسر فقدت المعيل، واطفال كبروا سريعا تحت ضغط الحاجة. الحرب لم تصنع فقط جبهات قتال، بل صنعت طوابير انتظار طويلة امام ابواب المستشفيات وامام عدسات البرامج الانسانية.
المبالغ التي تجمع عبر البرنامج قد تبدو بسيطة، لكنها احيانا تكون الفارق بين جرعة دواء وحياة، بين جلسة غسيل كلوي وانطفاء قلب. ومع ذلك تبقى حلولا اسعافية في بحر ازمة عميقة. الالم اكبر من ظرف يسلم في نهاية الحلقة، واوسع من مبادرة فردية مهما كانت صادقة.
المشكلة ليست في برنامج يعرض المعاناة، بل في واقع جعل عرض المعاناة ضرورة. حين تغيب الدولة، ويتراجع النظام الصحي، وتنهك الحرب ما تبقى من مؤسسات، يصبح الاعلام ملاذا اخيرا. وهنا يتحول البكاء الى مادة، لا رغبة في استدرار العواطف، بل لان الوجع لم يجد طريقا اخر ليسمع.
الى متى يستمر ذلك؟ الى ان تتوقف اسباب الانهيار. الى ان يعاد بناء ما هدمته الحرب، ويعاد الاعتبار لكرامة الانسان، فلا يضطر المريض ان يكشف المـه على الهواء ليحصل على علاج، ولا تضطر ام ان تروي حكاية فقرها امام الملايين كي ينقذ احدهم طفلها.
في اليمن ليست الدموع مشهدا عابرا، بل شهادة على سنوات من الصراع تركت مجتمعا كاملا يداوي جراحه بوسائل محدودة. وبين الكاميرا والمرضى، وبين المتبرعين والمنتظرين، يبقى السؤال مفتوحا: متى تصبح الرحمة نظاما لا حلقة تلفزيونية، وحينها فقط يتوقف البكاء عن ان يكون خبرا يوميا.
✍️ سمير الوهابي