آخر تحديث :السبت-21 فبراير 2026-01:43ص

الحياد في زمن الفتن… حكمة لا ضعف

الجمعة - 20 فبراير 2026 - الساعة 09:19 م
ايهاب ايسار فيصل

بقلم: ايهاب ايسار فيصل
- ارشيف الكاتب



في أزمنة الاستقرار، تبدو المواقف واضحة، والاصطفافات سهلة،

والخيارات محددة المعالم. أما في زمن الفتن، حيث تختلط الحقائق بالشائعات، وتتداخل المصالح بالشعارات، فإن أعقد المواقف وأصعبها هو اختيار الحياد. غير أن الحياد، حين يُفهم في سياقه الصحيح، ليس هروبًا من المسؤولية، ولا تخليًا عن المبادئ، بل هو في كثير من الأحيان قمة الحكمة ونضج البصيرة.



الفتنة بطبيعتها حالة اضطراب أخلاقي وسياسي واجتماعي، تضيع فيها المعايير، ويعلو فيها صوت الانفعال على صوت العقل. في مثل هذه اللحظات، يندفع الكثيرون إلى اتخاذ مواقف متسرعة، مدفوعين بالعاطفة أو الولاء الضيق أو ضغط الجماعة. وهنا يبرز الحياد كمساحة آمنة للتفكير، وفسحة لإعمال العقل قبل

الانخراط في صراع قد تكون مآلاته وخيمة.



ليس الحياد موقفًا سلبيًا بالضرورة، بل قد يكون موقفًا أخلاقيًا واعيًا، حين يرفض الإنسان أن يكون أداة في صراع لا تتضح فيه معالم الحق من الباطل. فالانخراط في كل معركة لمجرد أنها قائمة، ليس شجاعة، بل قد يكون تهورًا. والشجاعة الحقيقية أحيانًا تكمن في ضبط النفس، وانتظار انجلاء الصورة، والتمسك بالمبادئ دون انجراف.



في تاريخ الأمم، كثيرًا ما كانت الفتن سببًا في تمزيق المجتمعات وإضعاف الدول. وقد أثبتت التجارب أن من اندفعوا دون روية كانوا أول الخاسرين، بينما نجا من تحلّى بالحكمة، ورفض أن يكون وقودًا لصراع عبثي. الحياد هنا ليس تخلّيًا عن الحق، بل هو امتناع عن دعم باطلين متنازعين، أو طرفين تتساوى أخطاؤهما.


ومع ذلك، يجب التمييز بين الحياد الحكيم والحياد الجبان.

فالحياد لا يكون محمودًا إذا كان تجاه ظلم بيّن أو اعتداء صارخ. عندها يصبح الصمت مشاركة ضمنية في الجريمة. أما حين تكون الصورة ضبابية، والمعلومات متضاربة، والدوافع غير واضحة، فإن التريث والحياد المؤقت قد يكونان الخيار الأسلم.

الحياد أيضًا يحفظ للإنسان استقلاليته. ففي زمن الاستقطاب الحاد، يُطلب من الجميع أن يكونوا مع هذا أو ضد ذاك، وكأن العالم لا يحتمل منطقة وسطى. لكن الحقيقة أن المنطقة الوسطى هي في كثير من الأحيان مساحة العقل والتوازن، حيث يمكن للإنسان أن يحتفظ بمبادئه دون أن يتحول إلى خصم للجميع.



إن الحياد في زمن الفتن يحتاج إلى شجاعة داخلية، لأنه غالبًا ما يعرّض صاحبه للاتهام من كل الأطراف. سيُقال عنه متردد، أو انتهازي، أو عديم الموقف. غير أن من يدرك قيمة الحكمة، يعلم أن الثبات على القيم أهم من إرضاء الأصوات العالية.



اخيرا، ليس المطلوب أن نكون محايدين دائمًا، ولا أن نهرب من مسؤولياتنا، بل أن نحسن تقدير الموقف، ونميز بين معركة تستحق الاصطفاف، وفتنة لا تنتج إلا مزيدًا من الخراب. ففي زمن الفتن، قد يكون الحياد فعل وعي، وخيار عقل، وعنوان نجاة.