آخر تحديث :الثلاثاء-10 مارس 2026-12:19ص

معاشيق حين تبتلع المصالح ذاكرة الانتصارات الزائفة

الجمعة - 20 فبراير 2026 - الساعة 08:45 م
عيدروس المدوري

بقلم: عيدروس المدوري
- ارشيف الكاتب


في دهاليز السياسة اليمنية تبدو الذاكرة قصيرة الأمد وتتحول المواقف كما تتحول الرمال المتحركة تحت أقدام العابرين فالمشهد اليوم في العاصمة المؤقتة عدن وتحديداً في قصر معاشيق يقدم درساً بليغاً في كيفية إعادة تدوير الخطاب السياسي وفقاً لبوصلة المصالح بعيداً عن المبادئ التي تُرفع في الساحات .

المفارقة الكبرى من بساط أحمر حين كانوا شركاء بالسلطة إلى مطالب رحيل .

ليس سراً بل هي حقيقة موثقة بالصور والبيانات أن المجلس الانتقالي الجنوبي كان هو العرّاب الأول والمهندس الذي مهد الطريق لإجلاس الدكتور رشاد العليمي الشخصية الشمالية على كرسي الحكم في معاشيق واستبعاد هادي الرئيس الجنوبي في ذلك الحين نُسجت قصائد المديح السياسي وقيل للشارع الجنوبي إن هذا التمكين هو قمة الانتصار للقضية الجنوبية وأنه اعتراف دولي وإقليمي بـ الجنوب كشريك ندّي في هرم السلطة و الابواق تطبل من على طاولة 6 .

حينها لم يكن الوزراء الشماليون وافدين أو غرباء بل كانوا شركاء المرحلة في حكومة اسموها حكومة المناصفة ورفقاء السلاح في مواجهة الانقلاب الحوثي .

كانت لغة المصالح تقتضي الصمت عن الهوية الجغرافية مقابل الحضور في كراسي المصلحة في السلطة و القرار .

حماية العاصفة السلاح الذي أمّن الشركاء المفارقة الأكثر إثارة للتأمل هي الجانب الأمني فمن كان يحمي العليمي ووزراءه الشماليين داخل عدن؟ لم تكن قوات قادمة من تعز أو مأرب بل كانت ألوية العاصفة الجنوبية القوة الضاربة التي يفتخر بها الانتقالي .

لقد وقف الجندي الجنوبي تحت شمس عدن الحارقة ليوفر الأمن والأمان لوزراء شماليين بناءً على توجيهات قيادته التي رأت في وجودهم مصلحة عليا فكيف يستقيم اليوم خطاب الطرود والرحيل مع حقيقة أن هؤلاء الوزراء ما دخلوا معاشيق إلا بتذكرة مرور جنوبية وما بقوا فيها يوماً واحداً لولا الحماية الجنوبية الخالصة؟

اليوم ومع تفاقم الأزمات بدأت تتعالى الأصوات المطالبة بطرد الوزراء الشماليين هذا التحول المفاجئ يثير تساؤلات جوهرية:

أين ذهبت نغمة الانتصار للقضية ؟ هل انتهى مفعول الانتصار بمجرد خروج شلة معينة من السلطة مع ان اغلب الوزراء الجنوبيين الجدد هم من الانتقالي .

المسؤولية الأخلاقية كيف يمكن إقناع القواعد الشعبية بأن من كان شريكاً محمياً بالأمس أصبح عدواً مطروداً اليوم بينما القيادة التي أمنت دخوله لا تزال هي ذاتها الممسكة بزمام الأموروان تغيرات اسماء تشكيلاتهم العسكرية ؟

إن محاولة تصوير الوزراء الشماليين كـ شماعة وحيدة للفشل مع تجاهل حقيقة أنهم دخلوا عدن بمباركة وحماية جنوبية في اتفاق الرياض السابق هي محاولة للهروب من الشراكة التي تم التباهي بها طويلاً وهي بالاصل ليست الا بيع وهم لاجل مصالح خاصة .

إن اللعب على عواطف الشارع الجنوبي بشعارات طرد الشماليين لم يعد يجدي نفعاً في ظل حقائق واضحة للعيان فمن أتى بالعليمي هو الانتقالي ومن حماه هي ألوية العاصفة ومن شاركهم السلطة والقرار هي القيادات الجنوبية ذاتها .

السياسة ليست مجرد تبديل وجوه بل هي مسؤولية عن القرارات وإذا كان وجود هؤلاء الوزراء خطأً فالخطأ يبدأ ممن فتح لهم الباب اول مرة ووفر لهم الحماية لا ممن دخل اليوم عبر الباب المفتوح لقد آن الأوان لمكاشفة الشارع بان تلك الشراكة كانت فخ للقضية الجنوبية بدلاً من بيع الأوهام وتدوير الخصومات حسب اتجاه الريح .

إن المشهد السياسي الجنوبي الحالي يكشف عن ازدواجية معايير مخجلة في التعامل مع حقوق الناس ومعاناتهم بالأمس القريب حين كان الشركاء ينعمون بامتيازات السلطة في معاشيق كان خروج المواطن المطالب بالكهرباء والماء والراتب يُصنف جريمة خيانة و تحريضاً إخوانياً يهدف لزعزعة الاستقرار وتخريب الانتصار الجنوبي المزعوم حينها .

باختصار لقد تحول المواطن الجنوبي في نظر هؤلاء إلى لعبة يتم تحريكها بالريموت كنترول يُطلب منه الصمت صبرًا وصمودًا حين تمتلئ جيوبهم ويُطلب منه الصراخ ثورةً وغضبًا حين تفرغ كراسيهم وعلى الشعب ان يعي ذلك حتى لا تكون تضحياته من اجل شلة لا من اجل وطن .

بما أن الشراكة والمناصفة وتأجيل ملف القضية الجنوبية حتى إنهاء الانقلاب الحوثي هي القواعد المتفق عليها في مشاورات الرياض فمن الطبيعي أن تكون الحكومة مشتركة ولكن تقديراً لخصوصية الوضع في الجنوب وتجنباً لصدام مع الشارع الجنوبي يتوجب على السعودية نقل الوزراء الشماليين لممارسة أعمالهم من أي منطقة شمالية محررة لضمان استقرار العاصمة عدن وتجنيبها مزيد من الصدام .