ليست تعز مجرد محافظة أخرى على هامش المشهد اليمني؛ إنها إحدى أكثر المدن كثافة وتأثيرًا في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية. ومع ذلك، تبدو اليوم وكأنها خارج حسابات القرار، رغم حضور أبنائها في أعلى هرم السلطة. المفارقة الصارخة أن مدينة بهذا الثقل ما تزال محاصَرة منذ أكثر من عقد، وتغرق في أزمات متراكمة بلا معالجة جذرية.
القضية لم تعد خدمية فحسب، بل مسألة قرار سياسي.
تعز تعاني أزمة مياه خانقة، وانعدامًا شبه كامل للكهرباء والخدمات البلدية، وتراجعًا مقلقًا في الصحة والتعليم، مع اتساع رقعة الفقر والبطالة وانعدام الأمن الغذائي. في المقابل، شهدت محافظات محررة أخرى تحسنًا نسبيًا في الخدمات والبنية الأساسية. هذ
ا التفاوت يعمّق شعورًا عامًا بأن تعز ليست أولوية، بل ملفًا مؤجلًا.
إن استمرار هذا الوضع لا يهدد تعز وحدها، بل يضعف ثقة المجتمع بالدولة نفسها. مدينة بهذا الحجم السكاني والرمزي إذا تُركت في حالة إنهاك دائم، فإن كلفة ذلك ستكون وطنية، سياسيًا واجتماعيًا وأمنيًا.
المطلوب ليس خطابات تضامن، بل إجراءات واضحة:
أولًا: الاعتراف بتعز كحالة استثنائية تستوجب إدارة أزمة مستقلة، بصلاحيات وميزانية محددة، تركز على خطة إنقاذ عاجلة للخدمات الأساسية.
ثانيًا: تحويل ملف الحصار إلى أولوية تفاوضية لا يمكن تجاوزها في أي مسار سياسي.
ثالثًا: إطلاق برنامج طوارئ للمياه والكهرباء والصحة والتعليم، مع رقابة شفافة تضمن كفاءة التنف
يذ.
رابعًا: تحريك برامج تشغيل للشباب ودعم المشاريع الصغيرة لاحتواء البطالة المتفاقمة.
تعز لا تطلب امتيازًا خاصًا، بل معاملة عادلة تعكس وزنها الوطني. إن إعادة الاعتبار لها ليست مسألة مناطقية، بل خطوة ضرورية لاستعادة الثقة بين الدولة ومواطنيها.
الرسالة إلى مركز القرار واضحة:
تعز ليست عبئًا إضافيًا، بل فرصة لإثبات أن الدولة قادرة على إنصاف مواطنيها حين تتوفر الإرادة. وأي إصلاح حقيقي يبدأ من الأماكن التي تشعر بأنها تُركت وحدها.
الوقت لم يعد في صالح أحد. القرار اليوم هو بين استمرار التآكل البطيء، أو إطلاق مسار إنقاذ يعيد لتعز مكانتها… ويعيد للدولة جزءًا من هيبتها المفقودة.