آخر تحديث :الجمعة-20 فبراير 2026-02:05ص

الصين تروي للعالم حكاية الفن والابتكار في سهرة عيد الربيع 2026

الخميس - 19 فبراير 2026 - الساعة 11:31 م
نجيب الكمالي

بقلم: نجيب الكمالي
- ارشيف الكاتب


جلست في عدن، حيث تهدهد الرياح ليل المدينة، والجبال تتوشح الظلام كعباءة صامتة، أتابع سهرة عيد الربيع الصيني، وكأن بكين نفسها دخلت غرفتي الصغيرة. السماء هناك ترتدي ثوبها المخملي الداكن، والنجوم تتراقص كأنها تعرف أن الليلة ستصبح جزءًا من التاريخ، والمدينة كلها تتنفس نبضًا واحدًا، وكأن العالم بأسره توقف ليستمع إلى حكاية لم تُروَ من قبل.

انطفأت الأنوار فجأة، وحلّ الظلام ثقيلاً كحكمة آلاف السنين. وفي لحظة، اندفعت أشعة الضوء كأنفاس الفجر الأولى، خيوط ذهبية رسمت بوابة من نور، ومن خلفها ارتفع صدى خطوات التاريخ. المسرح لم يعد خشبة خشبية عادية، بل قلب الصين ينبض أمام أعين العالم، يروي حكاياته القديمة بلسان المستقبل، وينادينا للحلم.

على أنغام لحن تانغ الذهبية، خرجت الروبوتات من الأرض، لكنها لم تكن آلات باردة، بل رقصت كما يرقص النهر في مجراه القديم، انحنَت كأنها تتعلم أدب الكونفوشيوسية، وتحركت بجوار راقصين من لحم ودم، وكأن الفرق الوحيد بينهما أن هؤلاء من طين وهؤلاء من حلم. تبادلوا النظرات، وتعانقت أيديهم المعدنية مع أيدي البشر، شعرت للحظة أن الآلات تتعلم معنى الروح، وأن الإنسان علمها أن الفن روح تتنفسها كل الأجيال.

وفجأة، صهل الحصان. لم يكن صهيله عادياً، بل كان صوت الصين نفسها يخرج من أعماق التاريخ. ركض عبر المسرح، حاملاً على ظهره أحلام الأمة، مرّ بجيش التيراكوتا الصامت منذ آلاف السنين، ومر بسور الصين العظيم الممتد كتنين يحرس الذاكرة، ومر بطريق الحرير القديم، حيث القوافل لا تزال تسير وإن غاب الجمال. ثم توقف أمام الجمهور، نظر إلينا بعينين تفيضان بالحكاية، وكأنه يهمس لكل مشاهد: "ما زلت أحمل الحكاية، وما زلت أرويها لكم."

تحول المسرح بعد ذلك إلى طريق الحرير القديم، لكنه لم يكن طريقاً للقوافل والجمال فحسب، بل كان طريقاً من ضوء، تجوب عليه قوافل الأحلام، والحرير يرفرف في الهواء كأجنحة فراشات عملاقة، والتوابل تعطر المكان، والكتب تطير حاملة العلم من الصين إلى العالم. شعرت أن الشرق والغرب يجتمعان على شرفة واحدة، وأن العالم كله أصبح غرفة صغيرة نشاهدها معًا، رغم المسافات والحدود.

أما الجمهور، فكان مشهدًا حيًا من العواطف. في بيوت بكين، رأيت العائلات تتجمع حول الطعام وأعينهم تلمع أمام الشاشات كأنها تعكس ضوء المسرح. في شوارع شنغهاي، توقف المارة أمام الشاشات العملاقة، وانصهروا في اللحظة. وفي نيويورك وباريس وطوكيو، تابع الملايين البث المباشر بلغاتهم المختلفة، لكن كل العيون تحدثت لغة واحدة: لغة الدهشة. وفي عدن واليمن، جلست أنا وأصدقائي أمام شاشاتنا، طفل يصفق أمام هاتفه، شابة تدمع عيناها وهي تشعر بالعظمة، شيخ يبتسم وكأنه يعرف الصين منذ زمن بعيد، كلهم أصبحوا جزءاً من الليلة، وكلهم شعروا أنهم صينيون للحظة، متصلون بحكاية أكبر من الزمان والمكان.

الموسيقى لم تتوقف، كانت الطبول الصينية تدق كقلب الأرض، والأوتار الحديثة تعزف للحلم لحنًا جديدًا، والنغمات القديمة تلتقي بالإلكترونية وكأنها تصافح بعد طول غياب، والناي يبكي فرحًا وهو يسمع نفسه يتردد في مكبرات الصوت العملاقة. كل نغمة كانت رسالة من الصين للعالم: التراث لا يموت حين يُحيا بالمستقبل، الفن لا يعرف حدوداً، والجمال لغة واحدة يفهمها الجميع.

والضوء كان يروي. الليزر رسم قصائد ضوئية في الهواء، الألوان امتزجت كأنها زيت على لوحة كونية، لم يكن تباهياً بالتقنية، بل وسيلة لسرد حكايات قديمة بلغات جديدة، وسيلة تقول للعالم: أنا هنا، أنا كما أنا، لكني أتكلم لغتك.

ثم عاد الظلام، لكنه لم يكن صامتًا، بل مليئًا ببقايا الضوء في العيون، وبالألحان التي لم تتوقف عن الهمس، وبالحكاية التي بدأت للتو ولن تنتهي. خرج الناس من سهرتهم حاملين شيئًا جديدًا في قلوبهم: إيمانًا بأن الفن لا يموت، وأن الثقافة جسراً يربط القارات، وأن الاحتفال بعام جديد ليس مجرد لحظة زمنية، بل فرصة لمشاركة حلم مشترك.

وفي السماء، أضاء القمر الصيني مبكرًا، وكأنه يهمس للعالم كله: "هكذا تكون البدايات حين يلتقي الأمس بالغد، وحين تتحول الثقافة إلى جسر بلا حدود، وحين يصبح الفن لغة عالمية، وحين تروي الصين للعالم حكايتها، فيصمت الجميع ليستمع، ثم يصفق ليشارك."



بقلم: نجيب الكمالي، رئيس دائرة العلاقات العامة بالاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين فرع اليمن