تشهد البنية الخطابية لفخامة الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي تحولات عميقة، تعكس انتقالا تدريجيا في مركز الثقل السياسي: من خطاب يسعى لتأسيس الشرعية عبر المواجهة، إلى خطاب يهدف لتثبيتها عبر الأداء والإنجاز.
في المراحل الأولى لتشكل السلطة الجديدة، كانت لغة الخطاب مشدودة إلى سياق الصراع؛ مفردات مثل “المعركة”، “استعادة الدولة”، و”المواجهة” هي المسيطرة، في بيئة تهدد وجود الدولة ومؤسساتها. آنذاك كانت الشرعية تقاس من موقعها في خريطة النزاع: من يقف مع الدولة ومن يقف ضدها. وكان الخطاب تعبويا بطبيعته، ثنائيا، ويستقطب أخلاقيا وسياسيا بصورة حادة.
مع مرور الوقت، تكشف الخطابات الحديثة، ولا سيما خطابه الرمضاني، عن إعادة ترتيب الأولويات. لم تعد المواجهة العنوان الوحيد، بل برزت مفردات مثل “الاستقرار”، “الإصلاح”، “المعالجة”، و”تخفيف المعاناة”. هذا التحول يعكس إدراكا بأن استمرار الدولة لا يقاس فقط بقدرتها على الصمود، بل بكفاءتها في الإدارة وتحقيق الإنجاز.
ويبرز في هذا السياق البعد الإقليمي والتحالفات الاستراتيجية، خصوصا العلاقة مع المملكة العربية السعودية، التي تلعب دورا محوريا في دعم الشرعية اليمنية على الصعيدين الدبلوماسي والإنساني، إلى جانب الدعم العسكري. مظهرا حرص القيادة على صيانة هذه التحالفات وتعزيز دعمها المستمر لضمان مكتسبات الدولة ومواصلة بناء الاستقرار السياسي والاقتصادي.
وتكمن أعمق تحولات الخطاب في إعادة تعريف مفهوم الشرعية: من كونها مستندة إلى المرجعيات القانونية والتموضع في خريطة النزاع، إلى كونها مرتبطة بالجدوى والأداء اليومي، من خلال الخدمات، الاقتصاد، والاستجابة لمعاناة المواطنين. اي لم تعد الشرعية تقتصر على “الأحقية” القانونية، بل تتطلب فعالية ملموسة على الأرض.
كما تغيرت صورة الخصم في الخطاب؛ فاللغة أصبحت أقل حدة وأكثر تركيزا على الحلول ومسارات التهدئة، في انعكاس للانتقال من منطق الحسم إلى منطق إدارة التوازنات داخليا وإقليميا. ولم يعد الخطاب موجها فقط للقواعد السياسية أو العسكرية، بل أيضا إلى المواطن المتضرر اقتصاديا وإلى الرأي العام الباحث عن مؤشرات استقرار.
ورغم أهمية هذا التحول اللغوي والفكري، يظل السؤال جوهريا: هل يكفي تعديل الخطاب لتغيير الواقع؟ الانتقال من خطاب المواجهة إلى خطاب الأداء خطوة ضرورية، لكنها تحتاج إلى سياسات ملموسة لترجمة الكلمات إلى نتائج تقنع المواطنين بأن التغيير حقيقي ومؤسسي.
في المحصلة، يظهر تطور الخطاب الرئاسي وعيا متزايدا بأن المعركة لم تعد عسكرية أو سياسية فقط، بل اقتصادية وإدارية بالأساس. على العكس من المرحلة السابقة التي كانت تتطلب خطابا يؤسس للشرعية عبر الصمود، أما المرحلة الراهنة فتفرض خطابا يؤسس للاستقرار عبر الإنجاز. بين شرعية المواجهة وشرعية الأداء، تتحدد ملامح التحول الحقيقي في قدرة الدولة على الانتقال من الدفاع عن وجودها إلى تحسين جودة حضورها في حياة المواطنين.
و حمل خطاب فخامة الرئيس رسائل وطنية عميقة، تؤكد على العدالة والحق كقاعدة أساسية لأي حل شامل في اليمن. مؤكد أن معالجة القضية الجنوبية ليست مجرد خطوة سياسية، بل التزام أخلاقي ودستوري يضمن حق الناس في اختيار مستقبلهم بحرية ومسؤولية، ضمن بيئة آمنة وتحت سيادة القانون.
كما يسلط الضوء على أهمية الحوار الجنوبي برعاية المملكة العربية السعودية كنقطة تحول نحو شراكة حقيقية بين كل المكونات، تضع مصلحة المواطنين فوق أي حسابات ضيقة وتعيد الاعتبار لسيادة الدولة بعيدًا عن منطق السلاح.
و يعكس الخطاب في سياقه الرمضاني التزام القيادة بحماية الوطن من العنف المتكرر والسعي لتحقيق اليمن الكبير والعادل، مؤكدا أن العدالة، السلام، والتشاركية هي أساس وحدة الوطن واستقراره.
خلاصة القول، إن الخطاب الرمضاني للرئيس يمثل مزيجا متوازنا بين البعد الروحي والمقاربة الواقعية السياسية، وتحديد نوعية المعركة الأساسية في المرحلة التي لم تكن بالطبع عسكرية أو سياسية فقط، بل معركة وعي وصمود وإرادة وطنية. حال التمعن في عبارته العميقة، ان معركتنا اليوم ليست فقط مع مشروع انقلاب مسلح، بل مع كل ما يهدد فكرة الدولة،" معركة ضد الفوضى، والسلاح المنفلت، وضد الفساد، واستنزاف الموارد.