الخطابات السياسية تمنح الاتجاه، لكن الشرعية التنفيذية تُبنى بالاستحقاقات الدستورية. وبعد اجتماع الحكومة في قصر معاشيق، لم يعد السؤال عمّا قيل، بل عمّا سيحدث فعلاً.
هل سيصدر النفط والغاز وتُدار عائداتهما بشفافية معلنة؟
هل ستُستعاد دورة الإيرادات العامة بحيث يصبح انتظام الرواتب نتيجة طبيعية لا قراراً طارئاً؟
هل سنرى معالجة حقيقية لمصدر الاختلال المالي أم سنبقى أمام حلول إسعافية؟
ثم السؤال المؤسسي الأعمق:
هل ستعود المجالس المحلية إلى ممارسة دورها الرقابي والخدمي؟
وهل سيعود مجلس النواب للانعقاد المنتظم داخل البلاد ليقوم بوظيفته الدستورية؟
الدستور واضح في أن الحكومة لا تعمل بمعزل عن الرقابة البرلمانية، بل تتقدم ببرنامجها لنيل الثقة خلال مدة محددة. فهل ستقدم الحكومة برنامجاً مكتوباً ومفصلاً إلى مجلس النواب خلال المدة الدستورية (25 يوماً)؟ أم ستستمر في ممارسة مهامها دون استكمال مسار الثقة، فتظل قراراتها محل نقاش سياسي دائم؟
الفرق هنا ليس إجرائياً فقط، بل جوهري.
الحكومة التي تنال الثقة على برنامج مكتوب تصبح خاضعة لمعيار قياس واضح.
أما الحكومة التي تعمل بلا برنامج مُجاز، فتبقى وعودها مفتوحة على التأويل.
القضية ليست معارضة أو تأييداً، بل استقراراً مؤسسياً.
لا اقتصاد مستقر دون إيرادات واضحة.
لا إصلاح مالي دون شفافية في إدارة الموارد.
لا شرعية مكتملة دون رقابة برلمانية.
ولا ثقة شعبية دون جدول زمني معلن.
الخطاب الأخير رفع سقف التوقعات، وهذا يمنح الحكومة فرصة تاريخية إن أحسنت البناء المؤسسي. لكنه في الوقت نفسه يضعها أمام اختبار مباشر: هل ستتحول الوعود إلى برنامج مُقدَّم للبرلمان، وإلى خطة زمنية معلنة للشعب؟
فالمرحلة لم تعد تحتمل إدارة سياسية بلا إطار دستوري مكتمل.
السؤال الآن ليس ماذا وعدت الحكومة…
بل متى ستُحوّل وعودها إلى التزام مكتوب يخضع للثقة والرقابة؟