آخر تحديث :الأربعاء-18 فبراير 2026-09:56م

رمضان.. استعادة الهوية المغيبة ومعركة الوعي الإيماني

الأربعاء - 18 فبراير 2026 - الساعة 01:37 م
محمد محسن الجوهري

بقلم: محمد محسن الجوهري
- ارشيف الكاتب


يشرق شهر رمضان المبارك على الأمة الإسلامية بوصفه المحطة التربوية والجهادية الأهم في العام. ومع ذلك، تكشف القراءة الفاحصة لواقع المجتمعات المعاصرة عن انحراف طال جوهر هذه الشعيرة؛ إذ جرى العمل بشكل ممنهج على كسر "هيبة" الشهر وتفريغه من مضامينه الثورية والروحية، ليُدفع نحو مسار استهلاكي ترفيهي بدلاً من كونه مدرسة لصناعة الرجال.

تتجذر الغاية القرآنية للصيام في قوله تعالى: (لعلكم تتقون)؛ والتقوى حالة من اليقظة والرقابة الإلهية تضبط سلوك المؤمن وتعيد صياغة إرادته. الصيام في حقيقته تمرين شاق على كسر قيود الشهوة وبناء روح متمردة على الطغيان النفسي والمادي. وقد استبدل الواقع المعاصر هذه الغاية العميقة بسطحية مفرطة، حيث انهمك الناس في تساؤلات فقهية هامشية تشتت الانتباه عن المقاصد الكبرى، وتختزل العبادة العظيمة في جزئيات شكلية تعجز عن بناء وعي أو تحرير وطن.

يؤكد السياق التاريخي للتشريع الإسلامي أن الصيام فُرض ضمن حزمة من القرارات المصيرية فالزكاة، والأذان، ونقل القبلة، والجهاد، شُرعت في سياق زمني واحد يسبق معركة بدر الكبرى. هذا الربط الإلهي يكرس رمضان "شهراً للتعبئة العامة"؛ حيث يربي الصيام على الصبر، وتدرب الزكاة على البذل لتجهيز الجبهات، ويمثل الأذان نداء الحشد، فيما يرسخ نقل القبلة الارتباط بالمقدسات المستلبة. لقد ظل رمضان عبر التاريخ شهر الملاحم والانتصارات الكبرى، من "بدر" التي حطمت شوكة الشرك، إلى "فتح مكة" الذي مكن لدين الله، وهي الهوية التي تسعى القوى المعادية لطمسها اليوم عبر إغراق الأمة في غيبوبة رمضان الاستهلاكي.

وقد تعرض شهر رمضان لعملية "أدلجة" من قبل أنظمة التضليل وأدواتها الدعوية؛ حيث برزت تيارات تُصدّر "ديناً ناعماً" يركز على المواعظ البكائية الباردة التي لا تحرك ساكناً تجاه قضايا الأمة ومقدساتها المحتلة. وترافق ذلك مع غزو ثقافي حول ليالي رمضان إلى ساحة للمسلسلات والبرامج الكوميدية التي تستهدف غسل العقول وقتل روح الجدية والوقار في نفوس الشباب. فتخصيص معظم الإنتاج الفني لشهر رمضان يمثل مخططاً مدروساً لسرقة وقت المسلم، وإشغاله بالبهجة المزيّفة عن التدبر الحقيقي للقرآن الكريم، وتحويل نهار الصائم إلى خمول تام بدلاً من ميدان للعمل والإنتاج والتغيير.

يحرر رمضان الحقيقي الإنسان من الارتهان لغير الله؛ فمن يترك المعصية في رمضان بدافع التقوى يُفترض به الثبات عليها بعد انتهائه ليكون قد استوعب جوهر الصيام. كما يضع رمضان الأمة أمام مسؤوليتها تجاه المظلومين والمستضعفين؛ إذ يبرز التناقض الصارخ حين تُبذّر الأموال على موائد الإسراف في وقت تعاني فيه شعوب مسلمة أخرى من وطأة الجوع والحصار. التدبر الحقيقي للقرآن في هذا الشهر يقود بالضرورة إلى ثورة على المفاهيم الخاطئة والتبعية الثقافية، ليتحول الصائم إلى "إنسان قرآني" يجمع بين وعي الهداية وعزم الجهاد.

ولاستعاد رمضان الرسالي يتطلب منا العودة إلى "هيبة رمضان" تحطيماً كاملاً للأصنام الثقافية المستحدثة؛ من هوس المسلسلات إلى تسطيح الفتاوى. فرمضان هو المحطة التي يتزود منها المؤمن بالوقود الإيماني ليواجه قوى الاستكبار العالمي طوال العام. هو شهر البناء النفسي الذي يهدم حصون الجهل ويبني صروح العزة، لتظل الأمة حية بجهادها، عزيزة بدينها، ومستقلة بقرارها الإيماني بعيداً عن وصاية المضللين.