في عدن، المدينة التي تتكئ على التاريخ وتفتح نوافذها على البحر، يخوض الصحفي الجنوبي تجربته المهنية كمن يسير في طريق مليء بالتحديات. فالعمل الإعلامي هنا ليس مجرد وظيفة، بل رحلة طويلة من الصبر والمكابدة، تتقاطع فيها الموهبة مع شُحّ الإمكانات، ويصبح القلم أداة مقاومة لا تقل شراسة عن الواقع ذاته. صحفيون مبدعون، يحملون همّ الكلمة وصدق الرسالة، يجدون أنفسهم في كثير من الأحيان خارج دائرة التقدير، رغم ما يبذلونه من جهد متواصل.
في هذا السياق، أثارت المبادرات التكريمية التي قُدّمت مؤخرًا من قبل القائد فلاح الشهراني، مستشار قائد القوات المشتركة للتحالف العربي، حالة من التفاعل والجدل في الأوساط الصحفية. فالرجل المعروف بحضوره الإيجابي وسعيه لتحسين الأوضاع في عدن، قدّم لفتة تقديرية لمن حضر، عكست نية طيبة وحرصًا على الاعتراف بالجهود.
غير أن هذه الخطوة، على أهميتها، كشفت في الوقت ذاته عن شعور بالمرارة لدى عدد من الزملاء الذين لم تتح لهم فرصة الحضور أو إيصال صوتهم ومعاناتهم. وهو شعور مفهوم في بيئة إعلامية يعاني فيها الصحفي أصلًا من ضغوط معيشية ومهنية مضاعفة، تجعل أي لفتة تقدير محط أنظار الجميع.
هنا يبرز دور الوسطاء والمنظمين، الذين تقع على عاتقهم مسؤولية إدارة مثل هذه المبادرات بعدالة وشفافية. فآلية الاختيار، حتى وإن كانت غير مقصودة، قد تُحدث فجوة بين الصحفيين أنفسهم، أو بينهم وبين الجهات الداعمة. وهذا لا يُحسب على الشخص المُبادر بقدر ما يُسجَّل على طريقة إدارة عملية التقدير.
إنها رسالة هادئة، ودعوة صادقة، إلى أن يكون هذا النوع من التكريم نافذة أوسع للاطلاع على واقع الصحفيين في عدن، أولئك الذين صمدوا في وجه التهميش، وما زالوا يواصلون العطاء رغم قسوة الظروف. فهم لا يبحثون فقط عن دعم مادي، بل عن تقدير معنوي يحفظ الكرامة ويعترف بالجهد والإبداع دون استثناء.
لقد عرف الصحفي العدني عبر مراحل مختلفة قيودًا وإقصاءً، واليوم تبرز الحاجة الملحّة إلى ترسيخ مبدأ العدالة في التقدير، بعيدًا عن المحسوبيات، ليأخذ كل مبدع حقه الطبيعي، ويكون الحضور والتكريم مبنيين على العطاء الحقيقي لا على الصدفة أو القرب.
رمضان كريم، وكل عام والجميع بخير. ولعل هذه المبادرات، حين تُدار بروح عادلة وشاملة، تتحول إلى رسالة أمل تؤكد أن الجهد لا يضيع، وأن الإنصاف في التقدير هو حجر الأساس لمستقبل إعلامي صادق، شفاف، ونابض بالحياة في عدن.