آخر تحديث :الجمعة-20 فبراير 2026-03:56ص

حكومة منقسمة… هل يمكن إنقاذ اليمن دون حسم الولاءات؟

الأحد - 15 فبراير 2026 - الساعة 08:43 م
د/ رياض عبدالسلام امير

بقلم: د/ رياض عبدالسلام امير
- ارشيف الكاتب


لم يأتِ تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة بهذا الشكل كتتويج لتوافق وطني، بل كحل اضطراري لإدارة واقع منقسم. فهي حكومة تحمل في داخلها تناقضًا جوهريًا بين وزراء يؤمنون بالدولة اليمنية الواحدة، وآخرين يشاركون في السلطة وهم لا يؤمنون أصلًا بمشروعها الوطني.


يمكن توصيف المشهد دون مواربة: ما يقرب من ثلثي الوزراء المعيّنين يدينون بالولاء للشرعية اليمنية ممثلة برئاسة الدولة، ويقفون ضمن تيار وحدوي يسعى للحفاظ على كيان الدولة، في حين يتمسّك الثلث المتبقي بمشروع الانفصال، ولا يتردد في استغلال موقعه الوزاري للترويج له سياسيًا من داخل مؤسسات الدولة نفسها. هذا التناقض لا يضعف الحكومة فحسب، بل يقوّض فكرة الدولة من الداخل.


السؤال الجوهري لم يعد: من يحكم اليمن؟ بل: هل ما تزال هناك دولة قابلة للحكم أصلًا؟ فحكومة بهذا التركيب لا تستطيع خوض معركة سياسية كبرى، لكنها قد تنجح — إن أحسنت إدارة دورها — في منع الانهيار الكامل.


المدخل الواقعي الوحيد أمام هذه الحكومة هو التحول إلى حكومة وظائف، لا حكومة صراع سياسي. أي تعليق الخلافات المصيرية المتعلقة بالوحدة والانفصال، والتركيز على ملفات ملموسة: الخدمات، الرواتب، العملة، وإدارة الموارد. هنا فقط يصبح أداء الوزير معيار استمراره، لا خطابه ولا ولاءاته.


من الخطأ الفادح ترك القضايا المصيرية عرضة للتوظيف السياسي من قبل أطراف لا تؤمن أصلًا بالدولة التي تعمل داخل مؤسساتها. فقضايا تقرير المصير وشكل الدولة يجب أن تُسحب من يد السلطة التنفيذية، وتُحصر في نطاق رئاسة الدولة والمؤسسات الدستورية، على أن تُحسم لاحقًا عبر مسار وطني شامل، حين تتوفر شروط الدولة.


أما الشمال الخارج عن سيطرة الشرعية، فلن يعود عبر الشعارات ولا عبر الجبهات وحدها. استعادته تبدأ من بناء نموذج حكم مختلف في المناطق المحررة: دولة تدفع الرواتب، تضبط العملة، وتقدم خدمات. فكل فشل حكومي هو انتصار سياسي مجاني لسلطة الأمر الواقع في صنعاء، وكل نجاح — مهما كان محدودًا — يضعف سرديتهم ويقوّض قدرتهم على الادعاء بأن الدولة البديلة عاجزة.


وفي ما يتعلق بالوزراء ذوي الولاءات الانفصالية، فإن التعامل معهم يجب أن يقوم على الاحتواء دون تمكين. أي إشراكهم في ملفات خدمية واضحة، وتحميلهم مسؤولية النتائج أمام الرأي العام، دون منحهم مفاصل سيادية أو أدوات تُستخدم لتقويض الدولة من الداخل. أما تجاوز الخطوط الحمراء، فيجب أن يُواجه باعتباره مخالفة دستورية لا “وجهة نظر سياسية”.


في المحصلة، هذه الحكومة لن توحد اليمن، لكنها قد تمنع انهياره الكامل. نجاحها النسبي قد يبقي خيار الدولة اليمنية الواحدة ممكنًا، أما فشلها فسيحوّل التقسيم من مشروع سياسي إلى واقع دائم.