آخر تحديث :الخميس-12 مارس 2026-08:47ص

السعودية .. وفاء لليمن لا تلخصه المواقف

الأحد - 15 فبراير 2026 - الساعة 08:33 م
احمد الشميري

بقلم: احمد الشميري
- ارشيف الكاتب


في وقت يواجه فيه اليمن واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية والسياسية في العالم، برزت المملكة العربية السعودية كداعم واحيد ومباشر للشعب اليمني على المستويات الإنسانية والاقتصادية والتنموية. ولم يقتصر الدور السعودي على الجانب العسكري أو السياسي، بل امتد ليشمل جهوداً واسعة لإسناد الشعب اليمني والتخفيف من تداعيات الحرب وانهيار مؤسسات الدولة. ولعل الموقف الأخوي الصادق خلال تمرد الفار عيدروس الزبيدي وعصابته على الدولة، ولجوئه إلى الفوضى والإرهاب والعنف، ورفضه كل الحلول السياسية والحوار الذي دعت إليه القيادة السعودية وأرسلت مسؤوليها إلى حضرموت وعدن من أجل ذلك، يُظهر مدى حرص المملكة على المصلحة العليا للشعب اليمني.

ومن المؤكد أن السعودية التي سخّرت إمكاناتها لمساعدة الشعب اليمني، وأسهمت في إعادة الحياة إلى المدن المحررة من خلال حزمة المشاريع التي أعلنت عنها، والتي تصل تكلفتها إلى 1.9 مليار ريال سعودي، بدأت تنفيذها منذ اليوم الأول لقرار القيادة السعودية. وكان أول تلك المشاريع شحنة المشتقات النفطية التي أثمرت بعودة الكهرباء للعمل على مدار 24 ساعة في عدن وجميع المحافظات المحررة، ثم صرف المرتبات للأجهزة العسكرية والأمنية والمدنية، فضلاً عن شحن النفط إلى سقطرى وكل المحافظات التي عصفت بها أزمة الفار الزبيدي، وإعادة تأهيل مطارات الريان وسيئون وسقطرى وشبوة، وتنفيذ المرحلة الثالثة من توسعة وتهيئة مطار عدن الدولي.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل إن المملكة، عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، بدأت في تأهيل عدد من الموانئ، من بينها ميناء عدن، حيث يجري انتشال السفن الغارقة من داخله وتجهيزه للعمل، كما يتم تأهيل مينائي سقطرى والمكلا، إضافة إلى مرافئ الصيد، بما يسهم في دعم الثروة السمكية. كما دعم البرنامج الكهرباء والجامعات والمعاهد في سقطرى، التي عادت إلى العمل، فضلاً عن الترتيبات الجارية لعودة السياحة إلى الأرخبيل.

وفيما يتعلق بالقطاع الصحي، أعاد البرنامج تأهيل عدد من المستشفيات، من بينها مستشفى سقطرى العام، ومستشفى شبوة، ومستشفيات أخرى في لحج والضالع وحضرموت، كما يواصل تشغيل مستشفى الأمير محمد بن سلمان في عدن، وتجهيز مدينة الملك سلمان الطبية في المهرة.

ويُنفذ البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن 268 مشروعاً يستفيد منها ملايين اليمنيين، ولم تقتصر جهوده على قطاع بعينه، بل شملت مختلف القطاعات، ولا سيما النقل والطرق، حيث نُفذ عدد من المشاريع، منها توسعة وتأهيل طريق العبر، الذي يجري تنفيذ مرحلته الثالثة بعد تأهيل نحو 90 كيلومتراً في المراحل السابقة، إضافة إلى شق وسفلتة طريق هيجة العبد في تعز، وطرق أخرى في سقطرى وحضرموت وشبوة ولحج والضالع وعدن، فضلاً عن تنفيذ المرحلة الثالثة من توسعة وتطوير مطار عدن الدولي، وتأهيل مطاري الريان وسيئون.

وفيما يخص قطاع التعليم، كان للبرنامج دور بارز في دعم العملية التعليمية في اليمن، حيث نُفذت عدة مشاريع، من بينها كلية الطب في جامعة تعز، وعدد من المشاريع لصالح الجامعة، إضافة إلى المعامل والمباني في جامعة عدن.

وعلى الصعيد الاقتصادي، لعبت السعودية دوراً محورياً في دعم استقرار العملة اليمنية والحفاظ على مؤسسات الدولة، من خلال تقديم ودائع مالية للبنك المركزي اليمني بمئات الملايين من الدولارات، أسهمت في تعزيز الاحتياطي النقدي، والحد من التدهور الحاد في سعر صرف الريال اليمني، إضافة إلى تمكين الحكومة من الإيفاء بجزء من التزاماتها تجاه رواتب الموظفين وتمويل الواردات الأساسية، خصوصاً الغذاء والوقود، ما أسهم في منع انهيار الاقتصاد ومواجهة المحاولات الرامية إلى مفاقمة المجاعة وزيادة معاناة ملايين السكان.

ولم تتركز جهود السعودية على المناطق المحررة فحسب، بل إن المملكة، منذ إنشاء مستشفى السلام في صعدة، وحتى اليوم، ورغم الحروب والصراعات، لا تزال ملتزمة بميزانيته التشغيلية، كما تواصل تمويل مستشفى السلام في حجة، الذي أنشأته عام 1996م، فضلاً عن الدعم الإنساني الذي تقدمه بشكل غير مباشر وعبر المنظمات الأممية للمدنيين في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، ومن ذلك صرف مرتبات المعلمين التي استمرت لأشهر قبل أن تنقطع بسبب تدخل الحوثي وإصراره على منع وصول هذه المرتبات إلى مستحقيها وصرفها لصالح جماعته.

ولهذا، فإن مشاريع السعودية عبر برنامج التنمية وإعمار اليمن شملت جميع القطاعات الحيوية، بما فيها قطاع المياه، حيث تمكنت من إعادة ضخ المياه بشكل مستمر إلى مختلف المحافظات المحررة، ولا سيما عدن، بعد سنوات من الانقطاع. كما تم إنشاء وتجهيز مستشفيات ومراكز صحية، وترميم مدارس، وحفر آبار مياه، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على حياة السكان في المناطق المستفيدة.

أما في المجال الإنساني، فتُعد المملكة من أكبر الدول المانحة لليمن خلال السنوات الماضية. ومن خلال مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، تم تنفيذ (1199) مشروعاً بكلفة إجمالية بلغت (4,697,348,066) دولاراً.

ونفذت السعودية مئات البرامج والمبادرات التي استهدفت الأمن الغذائي، والرعاية الصحية، ومكافحة الأوبئة، وتوفير المياه النظيفة، ورعاية الفئات الأكثر ضعفاً، مثل الأطفال والنساء والنازحين. وتُعد المملكة الداعم الإنساني الأكبر لليمن، كما نُفذت حملات طبية متعددة وعمليات جراحية للقلب والعيون في حضرموت وعدن ومحافظات أخرى، فضلاً عن إنشاء مراكز لتأهيل الأطفال من ضحايا الحروب، ومراكز للأطراف الصناعية.

ويُعد مشروع «مسام» لنزع الألغام أحد المشاريع التابعة لمركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، حيث تمكن من انتزاع أكثر من نصف مليون لغم، وتطهير نحو (77,525,573) متراً مربعاً من الأراضي اليمنية، وأسهم في إعادة الحياة إلى المدن والقرى، وتأمين المزارع ومرافئ الصيد، إضافة إلى تنفيذ حملات توعوية بمخاطر الألغام.

وفي الجانب السياسي والدبلوماسي، لم يتوقف الدعم السعودي لليمن، سواء في حل الخلافات الداخلية أو في المحافل الدولية. ولعبت المملكة دور الوسيط في تخفيف حدة الانقسامات وتشجيع الحلول السياسية، بدءاً من المبادرة الخليجية، والحوار الوطني، واتفاقيات جنيف الثلاث، وستوكهولم، وظهران الجنوب، مروراً باتفاق الرياض، والمشاورات اليمنية، والحوار الجنوبي، وصولاً إلى الحرص المستمر على تحقيق السلام والاستقرار في اليمن. ورغم تعقيد المشهد وتشابك المصالح المحلية والإقليمية، لا تزال السعودية تؤكد أن الحل السياسي هو الخيار الأمثل لإنهاء الأزمة.

أما في الجانب العسكري، فإن من يدفع فلذة كبده من أجل بلدك لا يمكن أن توفيه حقه مهما فعلت. هكذا هي المملكة العربية السعودية، التي كانت منذ اليوم الأول للانقلاب إلى جانب الشعب اليمني عبر عمليتي عاصفة الحزم وإعادة الأمل؛ حيث اختلطت دماء شبابها وأبنائها بدماء أبناء اليمن على ترابه، لا لشيء إلا من أجل الإنسان اليمني. كما أنها، حين رأت اليمن في خطر، وقفت إلى جانب شعبه حتى ضد أحد أعضاء دول مجلس التعاون الخليجي وشريكها الذي خان الثقة، وحركت قواتها لدعم الجيش والأمن اليمني في حماية أرضه من الفوضى والعنف. ولذا، فإن الكلمات تعجز عن التعبير عن عظمة هذا الوفاء السعودي لإخوانه وجيرانه في اليمن.

ومن هنا، فإن الحضور السعودي الواسع، بمختلف أشكاله، شكّل ركيزة أساسية في منع تدهور الأوضاع إلى مستويات أكثر كارثية، ويعكس التزاماً سياسياً وإنسانياً طويل الأمد تجاه بلد جار تربطه بالمملكة روابط تاريخية واجتماعية عميقة.